210

ولما شبت نار الحزب بين على رضى الله عنه وبين معاوية ، وإن شئت فقل لما انبعث الصراع بين الاموية والهاشمية (1) بعد أن توارى - فرقا من القوة - في زمن النبي وخليفتيه أبى بكر وعمر ، وانقسم المسلمون فرقا اتجه أبو هريرة إلى الناحية التى يميل إليها طبعه ، وتتفق مع هوى نفس - وهى ناحية معاوية - إذ كانت تملك من أسباب السلطان والترف والمال والنعيم ما لم تملك ناحية على التى ليس فيها إلا الفقر والجوع والزهد - وليس بغريب على من نشأ نشأة أبى هريرة وعاش عيشته ، أن يتنكب الطريق التى تؤدى إلى على ، وأن يتخذ سبيله إلى معاوية ليشبع نهمه من ألوان موائده الشهية ، ويقضى وطره من رفده وصلاته وعطاياه السنية . وإذا كان قد بلغ من فاقة أبى هريرة وجوعه أن يخر مغشيا عليه (2) ، فيضع الناس أرجلهم على عنقه ! فهل تراه يدع دولة بنى أمية ذات السلطان العريض والاطعمة الناعمة ، وينقلت إلى على الزاهد الفقير الذى كان طعامه القديد ؟ إن هذا لمما تأباه الطباع الانسانية ، ولا يتفق والغرائز النفسية ! اللهم إلا من عصم ربك ، وقليل ما هم . ولقد عرف بنو أمية صنيعه معهم ، وقدروا موالاته لهم ، فأغدقوا عليه من أفضالهم ، وغمروه برفدهم وأعطيتهم ! فلم يلبث أن تحول حاله من ضيق إلى سعة ، ومن شظف العيش إلى دعة ، ومن فقر إلى ثراء ، وبعد أن كان يستر جسمه بنمرة بالية (3) صار يلبس الخز والكتان الممشق (4) . ولقد كانت أول لفتة من عين الامويين إلى أبى هريرة لقاء مناصرته إياهم أن

---

(1) ارجع إلى كتابنا المطول عن أبى هريرة تجد فيه فصلا خاصا عنوانه " كيف قامت دولة بنى أمية " . (2) من قول أبى هريرة - كما روى البخاري : لقد رأيتنى وإنى لاخر فيما بين منبر رسول الله إلى حجرة عائشة مغشيا على ، فيجئ الجائى فيضع رجله على عنقي ويرى أنى مجنون - وما بى من جنون - ما بى إلا الجوع . (3) ومن قوله - كما جاء في الحلية - نزعت نمرة على ظهرى فبسطتها بين يديه صلى الله عليه وآله كأنى أنظر إلى القمل يدب عليها ، وهذه النمرة كان يربطها في عنقه فتبلغ ساقيه فيجمعها بيده لئلا تبدو عورته . (4) في طبقات ابن سعد أن أبا هريرة كان يلبس الخز والساج المزرور بالديباج ، وروى البخاري أنه كان يلبس الكتان الممشق . (*)

--- [ 214 ]

Page 213