190

حتى بلغت مئات الالوف (1) مما جعل الحافظ الدار قطني يقول : إن الحديث الصحيح في الحديث الكذب كالشعرة البيضاء في جلد الثور الاسود (2) . وقد أفزعت هذه الكثرة العلماء فنهضوا لكشف القناع عن الاحاديث الموضوعة ، ووضعوا فيها المؤلفات الكثيرة ، ومن أشهر من تجرد لذلك ابن الجوزى السيوطي والصاغانى والملا على القارى وغيرهم . وقد عرض الدكتور أحمد أمين رحمه الله لامر كثرة الاحاديث هذه فقال (3) : " ومن الغريب أننا لو اتخذنا رسما بيانيا للحديث لكان شكل " هرم " طرفه المدبب هو عهد الرسول (صلى الله عليه وسلم) ثم يأخذ في السعة على مر الزمان ، حتى نصل إلى القاعدة أبعد ما نكون على عهد الرسول - مع أن المعقول كان العكس . فصحابة رسول الله أعرف الناس بحديثه ، ثم يقل الحديث بموت بعضهم مع عدم الراوى عنه وهكذا ، ولكنا نرى أن أحاديث العهد الاموى أكثر من أحاديث عهد الخلفاء الراشدين ، وأحاديث العصر العباسي أكثر من أحاديث العهد الاموى .

---

(1) قال الامام أحمد في مسنده : هذا كتاب جمعته وانتقيته من 750 ألف حديث : وقال أبو بكر محمد بن عمر الرازي الحافظ : كان أبو زرعة يحفظ 700 ألف حديث ، وكان يحفظ 140 ألف حديث في التفسير ، واختار مالك الموطأ من مائة ألف حديث ، وستري عند الكلام عن البخاري أنه اختار كتابه من 600 ألف حديث ، وأن مسلما قد اختار كتابه كذلك من 600 ألف حديث ، وأن أبا داود قد كتب عن رسول الله 500 ألف حديث - وعلى أنهم قد رووا عشرات الآلاف من الاحاديث في التفسير فإن ابن تيمية قد ذكر في كتابه " في أصول التفسير " أن الامام أحمد قد قال : ثلاثة أمور ليس لها إسناد : التفسير والملاحم والمغازى (ص 14) . ولذلك قال شعبة : تسعة أعشار الحديث كذب . ونأتى هنا بكلمة قيمة من كتاب " وجهة الاسلام " الذى ترجمه الاستاذ محمد عبد الهادى أبو ريدة منقولة عن كتاب " روح الاسلام " الذى ألفه سيد أمير على للدفاع عن الاسلام : " إن الاصلاح يجب أن يسبقه التعليم وتحرر العقل من القيود ويجب أن نطرح التمسك بالظواهر تمسكا صوريا ، لانه أصبح عديم الاثر ، ويجب أن تكون أحكامنا صادرة عن استعمال العقل ، وعما نستشعر أنه حق وملائم في ظرف ما . للاسلام قدرة على صبغ ما عداه بصبغته وسيبقى جوهره ، وإن تغير مظهره - ولو أن الائمة كانوا أحرارا في استعمال رأيهم ونبذوا بشجاعة خمسمائة ألف من الاحاديث واستبقوا منها ثمانية آلاف إذا لجعلنا لانفسنا مثل هذه الحرية ، ولماذا يظن إنسان أن الاسلام صار مسبوكا في قالب لا يتغير بعد الاجماع على الكتب السنة ؟ ص 126 . (2) ص 215 من كتاب الاسلام الصحيح . (3) ص 128 و129 ج 2 ضحى الاسلام . (*)

--- [ 194 ]

Page 193