Aḍwāʾ ʿalā al-Sunna al-Muḥammadiyya
أضواء على السنة المحمدية
قد يكون ضمن الاسباب الصحيحة أن الهجرة لطلب الحديث في العصر العباسي وجمعه من مختلف الامصار كانت أتم وأنشط ، لكن ليس هذا كل السبب ، بل من أكبر الاسباب في تضخم الحديث - الوضع - فاليهود والنصارى وغيرهم (1) من أهل الديانات الاخرى أدخلوا في الاحاديث أشياء كثيرة من دياناتهم وأخبارهم ، فملئت الاحاديث بما في التوراة وحواشيها ، وبعض أخبار النصرانية . . وبعض تعاليم الشعوبية كالاحاديث التى تدل على فضل الفرس والروم اه . أبو هريرة لو كانت أحاديث رسول الله كلها من الدين العام - كالقرآن - لا يقوم إلا عليها ، ولا يؤخذ إلا منها ، وأنه يجب على كل مسلم أن يعرفها ويتبع ما فيها ، كما يتبع ما في القرآن ، وكان النبي (صلى الله عليه وسلم) قد أمر أصحابه أن يحفظوا هذه الاحاديث لكى تؤثر من بعده - لكان أكثر الصحابة رواية لها ، أعلاهم درجة في الدين ، وأثبتهم قدما في الايمان ، وأسناهم مرتبة في العلم - ولكان المقلون منهم في الرواية دون المكثرين في رتبة الدين ، ووراءهم في درجة العلم والفضل ، وخلفهم في منزلة الاعتبار ، ولكنا نجد الامر - على ما بدا في كتب الحديث المعروفة - قد جرى على خلاف ذلك ! ! فإن أفضل الصحابة في المرتبة ، وأرفعهم في المنزلة وأوسعهم علما بالدين ، وأشدهم عناية به ، وأقواهم حياطة له ، الذين نيط بهم حمل أحكام الدين بما تلقوه عن أستاذهم الاكبر - كالخلفاء الراشدين والعشرة الذين قالوا إنه (صلى الله عليه وسلم) قد مات وهو راض عنهم - أو بشرهم بالجنة ، وكبار المهاجرين والانصار وغيرهم - كل أولئك كانوا أقل الصحابة تحديثا عنه ، وأنزرهم رواية ، حتى لقد بلغ الامر ببعضهم أنه لم يرو عن الرسول حديثا واحدا ! ! ولم يقف الامر بهم عند ذلك فحسب ، بل قد وجدنا كبار الصحابة يرغبون عن رواية الحديث وينهون إخوانهم عنها ، ولقد أدى بهم فرط الاحتياط ألى أن كانوا
---
(1) لم يذكر هنا الوضاع الصالحون من المسلمين وغيرهم فليرجع إلى فصل الوضع في الحديث وأسبابه في هذا الكتاب ص 118 . (*)
--- [ 195 ]
Page 194