Aḍwāʾ ʿalā al-Sunna al-Muḥammadiyya
أضواء على السنة المحمدية
من بعض رواة الصحيح ، ولا يظهر حمله على تعدد القصة (1) ثم إن رواية الرسول له من تميم الدارى - إن سلم سندها من العلل - هل تجعل الحديث ملحقا بما حدث به النبي (صلى الله عليه وسلم) من تلقاء نفسه ، فيجزم بصدق أصله قياسا على إجازته (صلى الله عليه وسلم) أو تقريره للعمل ، إذ يدل حله وجوازه ؟ الظاهر لنا أن هذا القياس لا محل له هنا - والنبى ما كان يعلم الغيب فهو كسائر البشر يحمل كلام الناس على الصدق ، إذا لم تحف به شبهة ، وكثيرا ما صدق المنافقين والكفار في أحاديثهم وحديث العرينيين (2) وأصحاب بئر معونة مما يدل على ذلك ، وإنما كان يعرف كذب بعض الكاذبين بالوحى ، أو ببعض طرق الاختبار ، أو إخبار الثقات ونحو ذلك ، من طرق العلم البشرى ، وإنما يمتاز الانبياء على غيرهم بالوحى والعصمة من الكذب - وما كان الوحى ينزل إلا في أمر الدين وما يتعلق بدعوته وحفظه وحفظ من جاء به ، وتصديق الكاذب ليس كذبا ، وحسبك أن تتأمل في هذا الباب عتاب الله لرسوله ، إذ أذن لبعض المعتذرين من المنافقين في التخلف عن غزوة تبوك وما علله به وهو قوله " عفا الله عنك لم أذنت لهم حتى يتبين لك الذين صدقوا وتعلم الكاذبين " . وإذا جاز على الانبياء والمرسلين أن يصدقوا الكاذب فيما لا يخل بأمر الدين ولا يترتب عليه حكم شرعى ، ولا شئ ينافي منصب الرسالة ، أفلا يجوز على من دونهم أن يصدقوا الكاذب في أي خبر لا تقوم القرينة على كذبه فيه ؟ ومن صدق شيئا يجوز أن يحدث به من غير عزو إلى من سمعه منه (3) .
---
(1) يشير رحمه الله إلى صنيع رجال الحديث عند ما يرون اختلافا في متن حديث فإنهم لا يلبثون أن يقدروا تعدد القصة التى قيل فيها الحديث ، ويحسبون أنهم بذلك قد حلوا عقدة التناقض . (2) حديث العرينيين : أن ناسا من عكل وعرينة قدموا المدينة على النبي وأسلموا ثم قالوا : يا نبى الله إنا كنا أهل ضرع ولم نكن أهل ريف ، فآونا وأطعمنا ، وكانوا قد استوخموا المدينة ، فأمر لهم النبي بذود وراع ، وأمرهم أن يخرجوا فيه فيشربوا من ألبانها ، فانطلقوا حتى إذا كانوا ناحية الحيرة كفروا بعد إسلامهم وقتلوا راعى النبي ، واستاقوا الذود فبلغ النبي فبعث الطلب في أثارهم وأمر بهم فقطعوا أيديهم وأرجلهم وتركوا في ناحية الحيرة حتى ماتوا على حالتهم - وأما أصحاب بئر معونة : فإن ناسا من رعل وذكوان وعصية وبنى لحيان أتوا النبي صلى الله عليه وسلم وزعموا له أنهم قد أسلموا واستمدوه على قومهم فأمدهم بسبعين من الانصار فانطلقوا بهم حتى بلغوا بئر معونة ، فغدروا بهم وقتلوهم ، فقنت النبي شهرا ، يدعو على رعل وذكوان وبنى لحيان . (3) ص 99 و100 ج 19 مجلة المنار . (*)
--- [ 185 ]
Page 184