180

جمعتكم لان تميما الدارى (1) كان رجلا نصرانيا ، فجاء فبايع وأسلم ، وحدثني أنه ركب في سفينة بحرية مع ثلاثين رجلا من لخم وجذام ، فلعب بهم الموج شهرا في البحر ثم أرفأوا إلى جزيرة في البحر (2) حتى مغرب الشمس ، وأنهم دخلوا الجزيرة فلقيتهم دابة أهلب كثير الشعر لا يدرون ما قبله من دبره ، فقالوا : ويلك ما أنت ؟ فقالت : أنا الحساسة ، ثم أشارت عليهم أن يتطلعوا إلى رجل في الدير وأشارت إليه . فدخلوا الدير فإذا فيه أعظم إنسان رأيناه خلقا ، وأشده وثاقا مجموعة يداه إلى عنقه ما بين ركبتيه إلى كعبيه بالحديد ، ولما عرف أمرهم وأنهم من العرب سألهم جملة أسئلة ، وهم يجيبون عنها إلى أن قال لهم : أخبروني عن نبى الاميين ما فعل ؟ قالوا : قد خرج من مكة ونزل يثرب ، قال : أقاتله العرب ؟ قلنا : نعم . قال : كيف صنع بهم ! فأخبروه بأنه قد ظهر على من يليه من العرب وأطاعوه ، قال : وإنى مخبركم عنى : إنى أنا المسيح وإنى أوشك (3) أن يؤذن لى في الخروج فأخرج فأسير في الارض أربعين يوما فلا أدع قرية إلا هبطتها في أربعين ليلة غير مكة وطيبة فإنهما محرمتان على كلتاهما . كلما أردت أن أدخل واحدة أو واحدا منهما استقبلني ملك بيده السيف مصلتا يصدني عنها ، وبعد ما ذكر ذلك ، طعن الرسول بمخصرته في المنبر وقال : هذه طيبة ، هذه طيبة ، هذه طيبة ، يعنى المدينة . ولم يشأ أبو هريرة أن يدع هذا الخبر بغير أن يمسه بنفحة من غرائبه ، فروى أن بين قرنى الجساسة فرسخ للراكب ! وقد رأينا تعليقا على هذا الحديث للعلامة السيد رشيد رضا رحمه الله نثبته هنا في محله . " حديث الجساسة الذى حدث به تميم الدارى رسول الله وأخرجه مسلم في صحيحه مرفوعا من طرق يخالف بعضها بعضا في متنه - فهذا الخلاف في المتن علته

---

(1) جاء هو وأخوه نعيم المدينة سنة 9 ه وأسلما كما قلنا . (2) لعل علماء الجغرافيا يبحثون عن هذه الجزيرة ويعرفون أين مكانها من البحر ! ثم يخبروننا حتى نرى ما فيها من الغرائب التى حدثنا بها - سيدنا - تميم الدارى رضى الله عنه . (3) هذا الوشك كان حوالى سنة 9 ، ونحن الآن في 1386 ولم نر لهذا المسيح وجها ولا لمسنا له أثرا ! (*)

--- [ 184 ]

Page 183