246

ومن كوكمان حتى حائط الخرخيز (مسيرة) سبعة أيام فى طريق واسع به خضرة وماء، وهى أماكن جميلة بها أشجار ملتفة يصعب على العدو الدخول فيها وكأن الطريق كله بستان حتى يصل (السائر) الى حائط الخرخيز، وهناك معسكر خاقان الخرخيز وهو من أجمل وأبدع الأماكن، وله ثلاثة طرق يصعب اختراقها لما فيها من جبال مرتفعة وأشجار ملتفة، ومن هذه الطرق الثلاثة طريق يتجه إلى التغزغز وهذا يكون صوب الجنوب، والآخر إلى كيماك والخلخ وهذا يكون ناحية المغرب، وثلاثة أخرى تتجه ناحية الصحراء، ثم يجب السير ثلاثة أشهر حتى يصل السائر الى قبيلة يسمونها" فورى" 14، وهى قبيلة كبيرة، وهذا أيضا له طريقان يتجهان إلى الصحراء: أحدهما طريق مسيرته ثلاثة أشهر، والآخر الواقع جهة اليسار طريق مسيرته شهران ، ولكن هذا الطريق صعب فالذاهب فيه يجب أن يسير بين الغابات والأشجار الكثيفة، وهو طريق ضيق وأماكنه ضيقة ومياهه كثيرة وأنهاره متصلة، وتهطل هناك الأمطار بغزارة، والسائر فى هذا الطريق يجب أن يدبر (وسائل) النقل والفرش التى سيجلس عليها، فإن الطريق مغمور بالماء ولا يمكن وضع شى ء على الأرض، ويجب السير فى أثر الدواب حتى يعبر تلك المياه، وفى هذه المياه أناس متوحشون لا يختلطون بأحد مطلقا ولا يعرفون لغة أحد كما لا يعرف أحد لغتهم، فهم وحوش آدمية، وهم يضعون كل شى ء فوق ظهورهم، وملابسهم من جلود الوحوش، وإذا خرجوا من هذه البحيرة فإنهم يكونون مثل السمك الذى يضيق تنفسه كثيرا إذا خرج من الماء، وقسيهم من الخشب، وملابسهم من جلود الوحوش، وطعامهم من لحوم الصيد، ومذهبهم أنهم لا يمدون أيديهم مطلقا إلى ملابس وأمتعة أى إنسان، وحينما يحاربون فإنهم يخرجون مع عيالهم وذخائرهم، وحينما يظفرون بالعدو فإنهم لا يمدون أيديهم على أمتعته ولكنهم يشعلون النار فيها، ولا يحملون شيئا مطلقا إلا السلاح والحديد، ويكون لقاؤهم بزوجاتهم على هيئة الحيوانات ذوات الأربع، ويدفعون مهر النساء وحوشا أو وديانا تكثر بها الوحوش والأشجار الكثيفة. ولو ذهب أحد من هؤلاء إلى الخرخيز فإنه لا يتناول الطعام (عنده)، وإذا رأى أحدهم صديقه فإنه يهرب ويفر، ولو مات أحدهم فإنهم يحملون جثته إلى الجبل ويعلقونها على شجرة حتى تفنى، ويجلب المسك والفراء وقرون البقر الصينى من ناحية الخرخيز، أما أهل الخرخيز فهم يحرقون الجثة مثل الهنود ويقولون: إن النار هى أطهر شى ء كما تطهر كل شى ء تمسه، وهى تطهر الجثة من القاذورات والذنوب.

وبعض الخرخيز يعبد البقر، وبعضهم يقدس الرياح؛ وبعضهم القنفذ، والبعض العقعق؛ وبعضهم الأشجار الجميلة، وبينهم رجل يأتى كل عام فى يوم معلوم ويحضر كل المطربين وجميع أنواع آلات السرور ويسمون هذا الرجل: فغيتون. وحينما يأخذ المطربون فى السماع يفقد (هذا الرجل) الوعى، فيسألونه عن كل ما سيكون فى هذا العام من الضيق والسعة والأمطار والقحط والخوف والطمأنينة وغلبة العدو، فيذكرها كلها، وما يقوله يحدث أكثره كما يقال.

التبت

أما التبت فسببها: أن رجلا من مشاهير حمير اسمه: ثابت، كان من جملة معتمدى ملوك اليمن الذين كانوا يسمونهم: تبع. وحينما أعطى التبع نيابة الملك إلى ثابت كتبت أمه ورقة إلى ثابت (تقول فيها): إن أحد التتابعة ذهب ناحية المشرق، واجتهد كثيرا حتى وصل إلى ولاية نباتها ذهب وترابها مسك وحشائشها بخور وصيدها الغزلان المسكية، وعلى جبالها الثلوج؛ وصحراؤها أنضر الأماكن، وتسقى زراعتها بالتراب والغبار بدلا من الماء. وحينما قرأ ثابت هذه الورقة مال قلبه فكون جيشا عظيما، وذهب. وحينما وصل إلى التبت رأى فيها كل هذه العلامات فصار معلوما له أنها هى، فسر كثيرا وقد بلغها حينما حل الظلام حتى إن الرجال لم ير أحدهم الآخر.

Page 378