176

ولما مضى على وفاة الأمير محمود- رحمه الله- خمسين يوما دبر الأمير إياز مع الغلمان، وأخذ منهم البيعة على الذهاب إلى الأمير مسعود- رحمه الله- واستجاب الجميع، وأقسموا على ذلك، وأرسل إلى أبى الحسن على بن عبد الله وكانوا يسمونه: على دايه، واستجاب على دايه للذهاب مع ذلك الجيش. وفى اليوم التالى خرج غلمان القصر، وذهبوا إلى رباط الخيل، وفكوا الجياد وامتطوا صهواتها مدججين بالأسلحة، وخرجوا من باب القصر، وهكذا ساروا فى كبر وخيلاء حتى وصلوا إلى بست.

وحينما وصل الخبر إلى الأمير محمد- رحمه الله- أرسل جيشا وراءهم، ومن جملة الحشم سوندهراى قائد جيش الهنود، فقد ذهب فى أثرهم مع عدة من الفرسان وأدركهم، واشتبك معهم، وحارب الغلمان، وقتلوا كثيرا من الهنود وقتل سوندهراى أيضا، كما قتل الكثير من غلمان القصر، وأحضروا رؤوسهم إلى الأمير محمد، وأسرع أبو النجم إياز بن أيماق 68 وعلى دايه مع كثير من الغلمان حتى قدموا جميعا إلى نيشاپور عند الأمير مسعود- رحمه الله- وحينما رأوا الأمير عظموه ، وأظهروا الطاعة والولاء، وسلموا عليه بالملك. فاستقبلهم وقال لهم قولا جميلا، واعتذر لهم 69 وسألهم عن الطريق وتمنى لهم أمنيات طيبة.

واستقر الأمير محمد فى غزنين، وأطلق يده فى الطرب والترف، وشغل بالشراب حتى قال له المقربون: إن ما تفعله هذا كله خطأ، وعامة الناس يتحدثون عنك ويلومونك على فعلك هذا، فقد قدم خصمك من العراق واتجه إليك، وأنت عنه غافل متوجه إلى الشراب واللذة، فإذا لم تواجهه فسوف يضيع الملك منك.

ولما مر على ملكه أربعة أشهر عزم على الرحيل، وأمر فضربوا خيمة فى أطراف بست، وأعطى الصلة للجند ورحل عن غزنين يصحبه جيش غنى مجهز، وحينما وصل إلى تگيناباد 70 اجتمع قواد الجيش ورؤساؤه وكتبوا إليه رسالة (يقولون فيها): سوف نذهب جميعا إلى الخصم الذى صارت الدنيا جميعها من شيعته وأتباعه، ونحن متيقنون أنك لن تستطيع أن تقاومه، والصواب أن تمكث هنا حتى نذهب إليه ونعتذر له ونحدثه فى أمرك، حتى يرضى قلبه عنا وعنك، ويدعوك إليه ونأمن نحن وأنت على أرواحنا.

ولما رأى الأمير محمد أن الجيش كله قد تحول أدرك أن هذا لا يمكن جبره، وليس هناك علاج غير الاستجابة، وفى الحال وافق على ما طلبوه، فأتوا به إلى قلعة الرخج 71 وأجلسوه، ثم ذهب الأمير يوسف وعلى الحاجب والعظماء والقواد وحملوا الخزائن والأسلحة، وقادوا الجيش، واتجهوا صوب الأمير مسعود وذهبوا إلى هرات.

Page 275