قال ابن عبد البر: يحتمل أن يكون حضر عنده من قرب عهده بالإسلام فخشى أن يختلق الحديث عن رسول الله ﷺ عند الرغبة، والرهبة، طلبًا للمخرج مما يدخل فيه، فأراد أن يعلمهم أن من فعل شيئًا من ذلك ينكر عليه حتى يأتى بالمخرج (١)، وزاد غيره فأراد عمر سد هذا الباب وردع غير أبى موسى لا شكًا فى روايته، فإن من دونه إذا بلغته قصته، وكان فى قلبه مرض أو أراد وضع حديث خاف من مثل قضية أبى موسى، فالمراد غيره (٢) . وفى ذلك يقول الخطيب البغدادى: "وفى تشديد عمر على الصحابة فى رواياتهم حفظ لحديث رسول الله ﷺ، وترهيب لمن لم يكن من الصحابة أن يدخل فى السنن ما ليس منها، لأنه إذا رأى الصحابى المقبول القول، المشهود بصحبة النبى ﷺ، قد شدد عليه فى روايته، كان هو أجدر أن يكون للرواية أهيب، ولما يلقى الشيطان فى النفس من تحسين الكذب أرهب" (٣) .
... وفى القصة دليل على ما كان الصحابة عليه من القوة فى دين الله وقول الحق والرجوع إليه وقبوله، فإن أبيًا ﵁ أنكر على عمر تهديد أبى موسى، وخاطبه مع أنه الخليفة (بيا ابن الخطاب) أو يا عمر؛ لأن المقام مقام إنكار" (٤) .
وفى ذلك رد على الرافضة الطاعنين فى الصحابة ووصفهم بالجبن والتقية خوفًا من درة عمر أو مهابة له، وأنهم وافقوه فى النهى عن كتابة السنة والإكثار منها تقية منهم وجبنًا" (٥) .
(١) شرح الزرقانى على الموطأ ٤/٤٢٦، وفتح البارى ١١/٣٢ رقم ٦٢٤٥.
(٢) شرح الزرقانى على الموطأ ٤/٤٢٦.
(٣) شرف أصحاب الحديث للخطيب ص ١٦٣.
(٤) شرح الزرقانى على الموطأ ٤/٤٢٦، ٤٢٧.
(٥) منع تدوين الحديث على الشهرستانى ص ٢٨، ٢٢٨، وقد تناقض فى إفكه هذا، ووصفهم بالشجاعة فى موضع آخر ص ٢٥٤، ٣٤٢.