.. ومع وجود كتابات فى زمن النبوة فى وقت الإذن إلا أنهصلى الله عليه وسلم لم يأمر بكتابة سنته كلها للفرق الشاسع بين حجم القرآن، وحجم السنة التى من وظيفتها الشرح والبيان له، وعادة الشرح أن يكون أكبر حجمًا من المشروح، ولو فرض كتابة السنة كلها زمن النبوة كما كتب القرآن الكريم، وأُمن من التمييز بينهما لم يؤمن انشغال الناس بها دون القرآن.
وهذه هى العلة الثانية الواردة فى الأحاديث التى تنهى عن كتابة السنة: خشية الانشغال عن القرآن الكريم ومضاهاته بغيره من الكتب حتى ولو كانت السنة.
... والمراد بالانشغال بالسنة عن القرآن الكريم تقديمها فى الاهتمام بها قبل الاهتمام أولًا بكتاب الله ﷿ مما يؤدى إلى ترك كتاب الله ﷿ وإهماله وهذا ما صرح به الفاروق عمر ﵁ بعد عدوله عن تدوين السنة وموافقة الصحابة "وإنى والله لا ألبس كتاب الله بشىء أبدًا" (١) وإعلان سيدنا عمر ﵁ هذا على ملأ من الصحابة -رضوان الله عليهم أجمعين- وإقرارهم بذلك يدل على استقرار أمر هذه العلة فى نفوسهم (٢) .
... وأكثر صراحة من ذلك فى تأكيد المراد بالانشغال بالمعنى السابق قول الضحاك-﵀ "يأتى على الناس زمان تكثر فيه الأحاديث حتى يبق المص-حف بغبارة لا ينظر فيه".
(١) أخرجه الدارمى فى سننه المقدمة، باب من لم ير كتابة الحديث ١/١٣٢ رقم ٤٦٤.
(٢) انظر: منهج نقد المتن للدكتور نور الدين عتر ص ٤٤، والسنة فى مواجهة أعدائها لفضيلة الأستاذ الدكتور طه حبيشى ص ٢٤٣.