أما المتأخرون من الأشاعرة فصاروا إلى أن كل نص فيه إثبات صفة لا يثبتونها، فعلى المسلم أ، يعتقد عدم ثبوتها أولًا، ثم بعد ذلك إما أن يؤول وإما أن يفوض إلى الله ﷿ علم المعنى ١.
الرد عليهم في دعوى التفويض.
الأشاعرة والماتريدية الذين يدعون التفويض وينسبون ذلك إلى السلف جمعوا بين تجهيل السلف والكذب عليهم كما أنهم متناقضون في هذه الدعوى وهذا يتبين مما يلي:
١ - إن ادعاء أن السلف كان مذهبهم تفويض المعنى تجهيل لهم وذم، لأن معنى ذلك أنهم كانوا كالأعاجم والأميين الذين لا يفهمون معاني الصفات، وإنما يقرؤون آيات القرآن ولا يدرون ماذا تعني، وهذا خلاف الحق الظاهر المشهود، فإن الثابت أن الصحابة رضوان الله عليهم تعلموا لفظ القرآن وتفسيره ونقلوه إلى من بعدهم. قال عبد الله بن مسعود ﵁: "والذي لا إله إلا غيره ما نزلت آية من كتاب الله إلا وأنا أعلم فيمن نزلت وأين نزلت، ولو أعلم أحدًا أعلم بكتاب الله مني تناله المطايا لأتيته".
وعنه ﵁ أيضًا أنه قال: "كان الرجل منا إذا تعلم عشر آيات لم يجاوزهن حتى يعرف معانيهن والعمل بهن".
وعن مجاهد قال: "عرضت المصحف على ابن عباس ثلاث عرضات من فاتحته إلى خاتمته أوقفه عند كل آية وأسأله عنها "٢.
١ انظر: أساس التقديس للرازي ص ٢٢١، حيث جعل النصوص المعارضة للعقل إما غير صحيحة فترد وإما صحيحة فيقطع بأن ظاهرها غير مراد ثم تؤول على سبيل التبرع، وإما يفوض علمها إلى الله ﷿، وانظر شرح جوهرة التوحيد ص ١٥٣-١٥٤، وجاء فيها: وكل نص أوهم التشبيها أوله أو فوض ورم تنزيها
٢ ذكر هذه الروايات الثلاث ابن كثير في مقدمة تفسيره ١/٤-٥.