314

والمستحب له صور منها جماعة يقرأ لهم قارئ طيب الصوت بتلحين سائغ وهم يتلذذون بصوته وبكلام ربهم ويتدبرونه ويخشعون أو يبكون ويقرأ لهم أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم بما ثبت عنه في الرقائق ونحوها الإكثار من ذلك حسن ومن الصور المستحب رجل صالح له صوت مطرب ينشد أبياتا ملحنة موزونة الضرب في الخوف والزهد والحزن على البطالة والبعد عن جناب الحق والسامعون أبرار أخيار متقون ينشطهم ويعقبهم ذلك إقبالا على التوبة والإنابة والعبادة, وهذا مستحب بشروط أحدها أن يعمل ذلك في الشهر أو الشهرين ساعة ونحوها, ثانيهما أن يسلم من وجد يغيب العقل رابعهما أن يسلم من دعوى وشطح ومن اعتقاده عبادة لذاته إلى غير ذلك مما يخرجه الاسحاب إلى المعصية أو الكراهة. وأما المكروه فالإكثار من حضور السماع بالكف والدف, وأما حضوره بالشبابة فإنه متوقف في تحريمه بعد اعتقادي بأنها [مكروهة] وغالب السماع من الباطل لا من الحق في شيء ولكن الباطل منه مباح ومنه مكروه ومنه محرم.

فتدبر هؤلاء ولا تبادر إلى تحريم ما وسع الله على عباده وعفا فيه عنهم ومن الصور السماع التي يكون فيها عبادة ليلة العرس لمن يحتسبه, وفي يوم العيد لمن يتخذه ناسيا نبيه صلى الله عليه وسلم , وقد قال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا تلهكم أموالكم ولا أولادكم عن ذكر الله} يعني صلوتكم وعبادتكم فمن ألهاه الغنا عن عبادة الله تعالى وعن الصلاة فهو من الخاسرين, وقد خاطب سبحانه وتعالى المؤمنين بقوله: {وإذا رأوا تجارة أو لهو انفضوا إليها وتركوك قائما} فما عنفهم عز وجل على التجارة المباحة واللهو الذي لم يحرمه علينا إلا إذا تركوا الجمعة والجماعة والصلاة المفروضة وسكت عما ذلك فهو مما عفى عنه.

وقد كان صلى الله عليه وسلم صاحب الحنفية السمحة يبسم ويضحك وربما مزح وجارى زوجته وأركب ابنا ابنته الحسن والحسين على ظهره.

وقال: نعم الجمل جملكما ويركب الفرس عريانا, ودخل يوم الفتح على ناقة وهو يرفع عقيرته بأبي وأمي, ويحسن صوته بقراءة سورة الفتح ويقول: ((أأأأ))

ويقول: يا عامر أسمعنا من هنهاتك ويتفرج على لعب الحبشة وزفنهم وهو وزوجته إلى غير ذلك, وأين القحالة والكلاحة والقطوبة من شمائله الكاملة؟ وهو محب للنساء اللاتي هن من زينة الدنيا, والطيب والثياب النقية والجميلة والحلو, والعسل, واللحم, والصوت الطيب, لا سيما بأصدق الكلام وأفصحه وأطيبه.

وكان صلى الله عليه وسلم يحب الطيبات ولا يكثر منها إذ الإكثار من المباحات يضيع الأوقات عن فعل القرب والطاعات, فإنه كان عليه أفضل الصلاة والسلام مع وصفه بما ذكرنا صواما قواما بكاء من عظمة الله تعالى أوابا منيبا وقورا, إليه انتهى العلم والحلم والشجاعة, وفيه جمعت المحاسن والأخلاق الحميدة المرضية, وبمجموع ما ذكرنا وبما مثاله صار أكمل الخلق كلهم صلى الله عليه وسلم وعلى آله وصحبه وعلى الملائكة والنبيين, منتهى علمك يا رب العالمين - انتهى.

Page 328