ولكنه لم يرجع، وبهذا الخروج نال أولئك الظلمة الطغاة من سبط رسول الله حتى قتلوه مظلومًا شهيدًا، وكان في خروجه وقتله من الفساد ما لم يكن يحصل لو قعد في بلده، ولكنه أمر الله ﵎ وما قدره الله كان ولو لم يشأ الناس، وقتل الحسين ليس هو بأعظم من قتل الأنبياء وقد قُدِّم رأس يحيى ﵇ مهرًا لبغي وقُتِل زكريا ﵇، وكثير من الأنبياء قتلوا كما قال تعالى:
﴿قَدْ جَاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالَّذِي قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ (^١) وكذلك قُتِل عمر وعثمان وعلي ﵃ أجمعين.
ومما ذكر ﵀ في كيفية التعامل مع الحدث:
لا يجوز لمن يخاف الله إذا تذكر قتل الحسين ومن معه ﵃ أن يقوم بلطم الخدود وشق الجيوب والنوح وما شابه ذلك، فقد ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: (ليس منا من لطم الخدود وشق الجيوب) أخرجه البخاري، وقال: (أنا بريء من الصالقة والحالقة والشاقة). أخرجه مسلم، والصالقة هي التي تصيح بصوت مرتفع. وقال: (إن النائحة إذا لم تتب فإنها تلبس يوم القيامة درعًا من جرب وسربالًا من قطران) أخرجه مسلم. وقال: (أربع في أمتي من أمر الجاهلية لا يتركونهن: الفخر في الأحساب والطعن في الأنساب والاستسقاء بالنجوم والنياحة). وقال: (اثنتان في الناس هما بهم كفر: الطعن في النسب والنياحة على الميت) رواه مسلم. وقال: (النياحة من أمر الجاهلية وإن النائحة إذا ماتت ولم تتب قطع الله لها ثيابًا من قطران ودرعًا من لهب النار). رواه ابن ماجه.
والواجب على المسلم العاقل إذا تذكر مثل هذه المصائب أن يقول كما أمر الله: ﴿الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (١٥٦)﴾ (^٢). وما
(^١) سورة آل عمران ١٨.
(^٢) سورة البقرة ١٥٦.