وخلاصة رأي عبد القاهر في تحديد دلالة هذا النمط من القول - أعني تقديم المسند إليه على الخبر الفعلي - هو أنه يدور غالبًا حول أداة النفي: فإن كانت سابقة على المسند إليه - أيًا كانت حاله - أفاد الكلام التخصيص قطعًا. وإن لم تسبقه أداة نفي - بأن لم يوجد لها في الكلام شبح أصلًا، أو كانت متأخرة عنه، وكان المسند إليه معرفة - ظاهرًا، أو ضميرًا - احتمل الكلام التخصيص والتقوى، حسبما يقتضيه المقام، وإن كان نكرة، أفاد التخصيص قطعًا، سواء وقعت، بعد نفي أو لا.
أما رأي السكاكي: فإنه لا ينظر فيه إلى نفي تقدم أو تأخر، وجد أم لم يوجد، وإنما المعولي عليه عنده: - في إفادة التخصيص - أن يتحقق شرطان:
الأول: أن يصح تأخير المسند إليه، وتغير العبارة قمت أنا، ويكون المسند إليه حينئذ فاعلًا في المعنى لا في اللفظ، لأن الفاعل في اللفظ هو: التاء في قمت.
والثاني: أن يقدر أن أصل العبارة هو التأخير، أي أن يعتبر المتكلم أن أصل العبارة: قمت أنا، ثم يقدم المسند إليه، فيقول: أنا قمت.
وهذا الاشتراط عنده خاص بالمسند إليه إذا كان معرفة، أما إذا كان نكرة مثل: رجل جاءني فإنه يفيد عنده التخصيص قطعًا، لأن النكرة إذا تقدمت على الخبر الفعلي لابد أن تكون دالة على التخصيص وإلا لم يصلح وقوعها مبتدأ - هكذا قال السكاكي -.
وبعد ذلك الاشتراط تعسفًا من السكاكي، لا يتمشى مع الفطر السليمة التي تعودت فهم الأساليب العربية الفصيحة دون جهد أو عناء.
وعلى أية حال فإن صفوة القول في هذا الموضوع هو: أن قولك: