له غدا بحجر ما أطيق حمله، فإذا سجد في صلاته فضخت به رأسه، فأسلموني عند ذلك أو امنعوني، فليصنع بعد ذلك بنو عبد مناف ما بدا لهم، قالوا: والله لا نسلمك لشيء أبدا، فامضِ لما تريد.
فلما أصبح أبو جهل، أخذ حجرا كما وصف، ثم جلس لرسول الله ﷺ ينتظره، وغدا رسول الله ﷺ كما كان يغدو، فقام يصلي، وقد غدت قريش فجلسوا في أنديتهم، ينتظرون ما يفعله أبو جهل، فلما سجد رسول الله ﷺ، احتمل أبو الجهل الحجر، ثم أقبل نحوه، حتى إذا دنا منه رجع منهزما منتقعا لونه، مرعوبا قد يبست يداه على حجره، حتى قذف الحجر من يده.
وقام إليه رجال قريش، فقالوا له: ما لك يا أبا الحكم؟
قال: قمت إليه لأفعل به ما قلت لكم البارحة، فلما دنوت منه عرض لي دونه فحل من الإبل، لا والله ما رأيت مثل هامته ولا مثل قصرته ول أنيابه لفحل قط، فهم بي أن يأكلني.
قال ابن إسحاق: فذكر لي أن رسول الله ﷺ قال: ذلك جبريل ﵇ لو دنا لأخذه١.
أما طغاة قريش فلم تزل فكرة قتل النبي ﷺ تنضج في قلوبهم، وتكبر في عقولهم وتفكيرهم، روى ابن إسحاق بسنده عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: حضرتهم وقد اجتمع أشرافهم في الحجر، فذكروا رسول الله ﷺ، فقالوا: ما رأينا مثل ما صبرنا عليه من أمر هذا الرجل قط، سفه أحلامنا، وشتم آباءنا، وعاب ديننا، وفرق جماعتنا، وسب آلهتنا، لقد صبرنا منه على أمر عظيم، فبينما هم في ذلك إذ طلع رسول الله ﷺ فأقبل يمشي حتى استلم الركن، ثم مر بهم طائفا بالبيت، فغمزوه ببعض القول، فعرفت ذلك من وجه رسول الله ﷺ.
فلما مر بهم الثانية غمزوه بمثلها، فعرفت ذلك من وجهه ﷺ.
١ سيرة النبي لابن هشام ج١ ص٢٩٨، ٢٩٩.