من خلفوا"١.
ثم قال ﷺ لأبي عمرو سعد بن معاذ: "يا أبا عمرو، إن الجراح في أهل دارك فاشية، وليس منهم مجروح، إلا يأتي يوم القيامة وجرحه كأغرز ما كان، اللون لون الدم، والريح ريح المسك، فمن كان مجروحًا، فليقر في داره، وليداري جرحه، ولا يبلغ معي بيتي، عزمة مني"، وكان في بني عبد الأشهل وحدهم ثلاثون جريحًا يوم "أحد".
فنادى فيهم سعد: عزمة من رسول الله ألا يتبعه جريح من بني عبد الأشهل.
فتخلف الجرحى، وباتوا يوقدون النيران، ويداوون الجراح، ومضى سعد مع رسول الله ﷺ حتى جاء بيته، فما نزل ﷺ عن فرسه إلا حملا، واتكأ على سعد بن عبادة، وسعد بن معاذ، حتى دخل بيته، فلما أذن بلال ﵁ بصلاة المغرب خرج ﷺ على مثل تلك الحال، يتوكأ على السعدين فصلى، ثم عاد إلى بيته.
وأراد رسول الله ﷺ أن يسري على بني عبد الأشهل، ونساؤهم يبكون على قتلاهم فقال لهم: "أما حمزة فلا بواكي له" ٢ عسى أن يكون ذلك قدوة للنسوة فيدعن النواح والعويل، إلا أن سعد بن معاذ ﵁ مضى إلى نسائه فساقهن، حتى لم تبق امرأة إلا جاء بها إلى بيت رسول الله ﷺ، فبكين حمزة ﵁ بين المغرب والعشاء، والناس في المسجد يوقدون النيران، يتكمدون بها من الجراح، وأذن بلال ﵁ حين غاب الشفق فلم يخرج ﷺ فجلس بلال عند بابه ﷺ حتى ذهب ثلث الليل، ثم ناداه: الصلاة يا رسول الله، فهب ﷺ من نومه وخرج، فإذا هو أخف في مشيته منه حين دخل.
وسمع ﷺ البكاء فقال: "ما هذا"؟.
فقيل: نساء الأنصار يبكين على حمزة.
فقال ﷺ: "رضي الله عنكن، وعن أولادكن". وأمر أن ترد النسوة إلى منازلهن، فرجعن بعد ليل مع رجالهن، وصلى رسول الله ﷺ العشاء ثم رجع إلى بيته، وقد صف
١ المغازي ج١ ص٣١٦.
٢ بغية الرائد بتحقيق مجمع الزوائد ج٦ ص١٧٥.