Al-sīra al-nabawiyya waʾl-daʿwa fī al-ʿahd al-madanī
السيرة النبوية والدعوة في العهد المدني
Publisher
مؤسسة الرسالة للطباعة والنشر والتوزيع
Edition
الأولى ١٤٢٤هـ
Publication Year
٢٠٠٤م
Genres
•Prophetic biography
Regions
Egypt
أيديكم فرط، وأنا عليكم شهيد، وإن موعدكم الحوض، وإني لأنظر إليه من مقامي هذا، وإني لست أخشى عليكم أن تشركوا، ولكني أخشى عليكم الدنيا أن تنافسوها" ١.
يؤيد ذلك ما رواه البخاري بسنده عن جابر بن عبد الله ﵁ أن رسول الله كان يجمع بين الرجلين من قتلى أحد، في ثوب واحد ثم يقول: "أيهم أكثر أخذًا للقرآن"؟. فإذا أشير له إلى أحد، قدمه في اللحد وقال ﷺ: "أنا شهيد على هؤلاء يوم القيامة"، وأمر بدفنهم بدمائهم، ولم يصل عليهم ولم يغسلوا٢.
الوجه الثالث:
إن المسلمين حملوا قتلاهم إلى المدينة، ودفنوهم بالبقيع، ولم يتمكنوا من إعادتهم إلى "أحد" ولو كان النبي ﷺ صلى عليهم لدفنهم عقب الصلاة كما رغب.
ومما يذكر هنا أن الناس، أو عامتهم قد حملوا قتلاهم إلى المدينة، ودفنوهم بالبقيع، فلما أمر الرسول ﷺ بردهم إلى أحد لم يتمكنوا من ذلك، ولم يردوا إلا رجلا واحدًا أدركه المنادي قبل أن يدفن، وهو شماس بن عثمان المخزومي ﵁، الذي حمل إلى المدينة وبه رمق فأدخل على عائشة ﵂ زوج النبي ﷺ.
فقالت أم سلمة زوج النبي ﷺ: ابن عمي يدخل على غيري!
فقال رسول الله ﷺ: احملوه إلى أم سلمة، فحمل إليها فمات عندها.
فأمر رسول الله ﷺ برده إلى "أحد"، فرد إليها، ودفن هناك كما هو في ثيابه التي مات فيها بلا غسل ولا صلاة، وكان قد مكث يومًا وليلة في المدينة ولكنه لم يذق شيئًا، وما ذهب إليه فقهاء الحجاز أقرب للفضل لأن ترك الصلاة عليهم إقرار باستمرار حياتهم، وفي ترك الغسل محافظة على أسر عبادة قاموا بها لأن الشهيد يأتي يوم القيامة وجرحه يثغب دمًا اللون لون الدم، والريح ريح المسك فكيف نزيل عنه هذا الطيب، ونحرمه من أثر العبادة المشرق.
ولما فرغ رسول الله ﷺ من دفن الشهداء جمع أصحابه، وقال لهم: "تعالوا نثني على الله". وصفهم صفين، وجعل النساء خلفهم، ثم دعا ﷺ فقال:
١ صحيح البخاري كتاب المغازي باب غزوة أحد ج٦ ص٢٨٦.
٢ صحيح البخاري كتاب المغازي باب من قتل من المسلمين يوم أحد ج٦ ص٣٠٦.
1 / 363