ولم يأخذ بهذا الحديث فقهاء الحجاز ولا الأوزاعي، وذكروا أن النبي ﷺ لم يصل على أحد من الشهداء، واستدلوا على رأيهم بوجوه:
الوجه الأول:
ضعف إسناد هذا الحديث؛ لأن ابن إسحاق قال: حدثني من لا يتهم، يعني: الحسين بن عمارة -فيما ذكروا- ولا خلاف في ضعف الحسين بن عمارة عند أهل الحديث، وأكثرهم لا يرونه شيئًا، وإن كان الذي عناه ابن إسحاق في قوله: حدثني من لا أتهم غير الحسين، فهو مجهول، والجهل يضعف الحديث، وكل الروايات الواردة في هذا الموضوع تعتمد على رواية ابن إسحاق وبذلك تكون كل الروايات ضعيفة.
الوجه الثاني:
حديث الصلاة على شهداء أحد لم يصحبه العمل بما دل عليه، لأن الثابت أن رسول الله ﷺ لم يصل على شهيد في شيء من مغازيه كلها ولم ترد رواية في هذا الشأن إلا هذه الرواية التي رواها ابن إسحاق في شهداء أحد.
وكذلك لم يثبت ولم يرو أن الخليفتين أبا بكر وعمر ﵄ صليا على شهداء أبدًا وحكمة عدم الصلاة على الشهداء والله أعلم، تحقيق حياة الشهداء، ومعاملتهم معاملة الأحياء تصديقًا لقوله سبحانه: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ ١ فالتعامل معهم على اعتبار هذه الحياة التي ذكرتها الآية.
والقائلون بأن رسول الله ﷺ لم يصل على الشهداء يؤولون ما رواه الشيخان من أنه ﷺ صلى على قتلى أحد، ويذكرون أن ذلك كان بعد ثماني سنوات حيث صلى عليهم ﷺ كالمودع للأحياء والأموات، فيكون المراد بالصلاة حينئذ الدعاء، وكان النبي ﷺ يدعو للموتى عمومًا بلا تكبير، ولا نية٢.
يروي البخاري بسنده عن عقبة بن عامر ﵁ أن رسول الله ﷺ صلى على قتلى "أحد" بعد ثماني سنين، كالمودع للأحياء والأموات، ثم طلع المنبر، فقال: "إني بين
١ سورة آل عمران: ١٦٩.
٢ الروض الأنف ج٣ ص١٧٨.