284

Al-qism al-thānī min al-muʿjam al-awsaṭ li-l-Ṭabarānī

القسم الثاني من المعجم الأوسط للطبراني

Editor

محمود محمد محمد عمارة السعدني

ثالثًا:- النظر في الخلاف على هذا الحديث:
مما سبق يَتَبَيَّنُ أنَّ الحديث مداره على أبي اليمان الحكم بن نافع، واختُلف عليه فيه من وجهين:
الوجه الأول: أبو اليمان، عن أبي بكر بن أبي مريم، عن حَبيب بن عُبيد، عن مُعاذ بن جبل، (مَرْفُوعًا).
الوجه الثاني: أبو اليمان، عن أبي بكر بن أبي مريم، عن حَبيب بن عُبيد، عن مُعاذ بن جبل، (مَوْقُوفًا).
والذي يظهر - والله أعلم - أنَّ الوجه الأول هو الأشبه والأقرب للصواب؛ للقرائن الآتية:
الأكثرية: حيث رواه بالوجه الأول جماعة مِنْ الثِّقَات، بخلاف الوجه الثاني فلم يروه إلا ابن دازيل، ولا شك أنَّ الجماعة أحفظ مِنْ الواحد؛ وعلى كُلٍّ فالوجه الموقوف مِمَّا له حكم الرفع، والله أعلم.
رابعًا:- الحكم على الحديث من وجهه الرَّاجح:
مما سبق يَتَبَيَّن أنَّ الحديث مِنْ وجهه الراجح (المرفوع) "ضَعيفٌ"؛ لأجل أبي بكر بن أبي مريم "ضَعيفٌ يُعتبر به"، وفيه أيضًا: حَبيب بن عُبيد روايته عن معاذ بن جبل فيه نظر؛ فإنَّ معاذًا قديم الموت. (^١)
وفي الباب عن أبي هريرة (^٢)، وابن عُمر (^٣)،
وسندهما ضعيفٌ جدًا فلا يُعتبر بهما، والله أعلم.
وقد صحَّ الحديث بلفظٍ آخر؛ أخرجه البخاري ومسلم في "صحيحيْهما" من حديث أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «تَجِدُ مِنْ شَرِّ النَّاسِ يَوْمَ القِيَامَةِ عِنْدَ اللَّهِ ذَا الوَجْهَيْنِ، الَّذِي يَأْتِي هَؤُلَاءِ بِوَجْهٍ، وَهَؤُلَاءِ بِوَجْهٍ». (^٤)

(^١) قال الذهبي في "تاريخ الإسلام" (٣/ ٢٢٢): وما رُويَ عن حَبيب أنَّه قال: أدْرَكتُ سبعين من أصحاب النبي ﷺ، فيه بُعْدٌ.
(^٢) أخرجه ابن المبارك في "الزُّهد" (٥٠) - ومن طريقه ابن عبد البر في "جامع بيان العلم" (١١٤٠) - وابن أبي الدُّنيا في "العقوبات" (٧)، والترمذي في "سننه" (٢٤٠٤)، عن يَحْيَى بن عُبَيْدِ اللهِ، قال: سَمِعْتُ أبي، يَقُولُ: سَمِعْتُ أبا هُرَيْرَةَ، يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: "يَخْرُجُ فِي آخِرِ الزَّمَانِ رِجَالٌ يَخْتِلُونَ الدُّنْيَا بِالدِّينِ، يَلْبَسُونَ لِلنَّاسِ جُلُودَ الضَّأْنِ مِنَ اللِّينِ، أَلْسِنَتُهُمْ أَحْلَى مِنَ السُّكَّرِ، وَقُلُوبُهُمْ قُلُوبُ الذِّئَابِ، يَقُولُ اللَّهُ ﷿: أَبِي يَغْتَرُّونَ، أَمْ عَلَيَّ يَجْتَرِئُونَ؟ فَبِي حَلَفْتُ لأَبْعَثَنَّ عَلَى أُولَئِكَ مِنْهُمْ فِتْنَةً تَدَعُ الحَلِيمَ مِنْهُمْ حَيْرَانًا"، ومداره على يحيى بن عُبيد الله، قال أبو حاتم: منكر الحديث ليس بثقة. وقال ابن معين: ليس بشيء. وقال الدَّارقطني: متروك كذَّاب. يُنظر: "الجرح والتعديل" ٩/ ١٦٨، "تهذيب الكمال" ٣١/ ٤٤٩.
(^٣) أخرجه الطبراني في "الأوسط" (٨٩٣١)، عن حَمْزَةُ بْنُ أَبِي مُحَمَّدٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، قَالَ: "إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ: لَقَدْ خَلَقْتُ خَلْقًا أَلْسِنَتُهُمْ أَحْلَى مِنَ العَسَلِ، وَقُلُوبُهُمْ أَمَرُّ مِنَ الصَّبْرِ، فَبِي حَلَفْتُ لَأُتِيحَنَّهُمْ فِتْنَةً تَدَعُ الحَلِيمَ مِنْهُمْ حَيْرَانًا، فَبِي يَغْتَرُّونَ أَمْ عَلَيَّ يَجْتَرِئُونَ"، وقال: لم يَرْوِ هذا الحديث عن عبد الله بن دينار إلا حمزة بن أبي محمد، تفرَّد به حاتم بن إسماعيل. قلتُ: وحمزة "ضعيف"، قال أبو حاتم: ضعيف الحديث، منكر الحديث، لمْ يرْوِ عنه غير حاتم. يُنظر: "الجرح والتعديل" ٣/ ٢١٥، "التقريب" (١٥٣٢) .. وقد انفرد به عن عبد الله بن دينار ومدار الحديث عليه، فهو "منكر"؛ إذْ لمْ يتابعه أحدٌ من أصحاب عبد الله بن دينار كالسفيانين، ومالك، وشُعبة، والليث بن سعد، وغيرهم.
(^٤) أخرجه البخاري في "صحيحه" (٦٠٥٨) ك/الأدب، ب/ما قِيل في ذي الوجهين. وبرقم (٧١٧٩) ك/الأحكام، ب/ما يُكره من ثناء السُّلطان وإذا خرج قال غير ذلك. وبرقم (٣٤٩٤) مطولًا ك/المناقب، ب/قوْل الله ﷿: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى﴾. وأخرجه مسلم في "صحيحه" (٢٥٢٦/ ١، ٢، ٣) ك/ البر والصلة، ب/ ذم ذي الوجهيْن وتحريم فعله.

1 / 284