فما أجدر من تعرض لدراسة القصص القرآني بأن يسلك هذا المنهج، ويعالج بما يستنبط من أحداثه واقعًا أليمًا، ومشكلة واقعة بدلًا من الإسراف في نقل الإسرائيليات، والإغراق في الخيال، وذلك حتى نستفيد من كتاب ربنا الذي قال فيه: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ ١.
فإذا كنا مؤمنين بأن من أعظم أهداف القصة القرآنية الاتعاظ والاعتبار، فلنتعظ ونعتبر بما نص الله عليه من أحداث حقيقية ذكرها لعظيم ما يستنبط منها من فوائد، بينما لم يذكر سبحانه بعض التفصيلات التي لا تهمنا في شيء، فالبحث عن تلك التفاصيل من الأخبار الإسرائيلية إهدار للجهد والوقت فجما لم يكلفنا الله البحث عنه.
ولذا لم يهتم الشيخ كما قلت بذكر القصص الإسرائيلي، وإذا ذكر شيئًا منه للاستشهاد، أو لبيان أمر ما فإنه يحتاط في ذلك فلا ينقل شيئًا مما في شرعنا ما يخالفه.
ومع هذا يحتاط أيضًا في رواية أخبارهم المأخوذة عنهم فيذكر ما يروى غالب بصيغة التمريض نحو "قيل" و"روي" و"ذكر" وذلك لأنه لا يوثق بنقلهم. فالجزم بشيء من أخبارهم أنه من كتاب الله، وحقيقته أنه ليس من كتاب الله، أو الجزم أنه ليس من كتاب الله، وحقيقته أنه من كتاب الله أمر خطر بلا شك. فلعل الأسلم في رواية أخبارهم هذه الصيغة.
فمن أمثلة ذلك قوله عند قول الله تعالى: ﴿وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانِ﴾ إلى قوله: ﴿إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ ٢. فيه مسائل، ونذكر قصة قبل ذلك:
قيل: إن الملك بلغه أن الخباز يريد أن يسمه، وأن صاحب شرابه مالأه لحى ذلك، فحبسهما جميعًا، وذلك قوله: ﴿وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانِ﴾ فقال الساقي: ﴿إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا﴾، أي: أعصر عنبًا خمرًا، وقال صاحب الطعام: ﴿إِنِّي أَرَانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزًا تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ﴾ بتفسيره، ﴿إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ تأتي الأفعال الجميلة، وقيل: ممن يحسن
١ سورة النحل: آية "٨٩".
٢ سورة يوسف: آية "٣٦".