بنُ أمِّ مَكْتُومٍ الأَعْمَى ﵁، فَجَعَلَ يَسْأَلُ رسُولَ اللَّهِ ﷺ، ويَسْتَقْرِئُهُ القُرْآنَ، فَشَقَّ ذَلِكَ مِنْهُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حتَّى أضْجَرَهُ، وذَلِكَ أَنَّهُ شَغَلَهُ عَمَّا كَانَ فِيهِ مِنْ أمْرِ الوَليدِ وأصْحَابِهِ، ومَا طَمعَ فِيهِ مِنْ إسْلَامِهِمْ، فلَمَّا أكْثَرَ عَلَيْهِ القَوْلَ خَافَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يَكُونَ الْتِفَاتُهُ إِلَى ذَلِكَ المِسْكِينِ الأَعْمَى يُنَفِّرُ عَنْهُ قُلُوبَ أُولَئِكَ الزُّعَمَاءِ، فأعْرَضَ عَنْهُ وعَبَسَ في وَجْهِهِ، وأقْبَلَ عَلَى الآخَرِينَ، فَعَاتَبَهُ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى ذَلِكَ، ونَزَلَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى (١) أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى. . .﴾ إِلَى قَوْلهِ تَعَالَى: ﴿فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ (١٣) مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ﴾ (١).
قَالَ ابنُ إسْحَافَ: أيْ يَقُولُ لَهُ: إِنَّمَا بَعَثْتُكَ بَشِيرًا ونَذِيرًا، لَمْ أَخُصَّ بِكَ أحَدًا دُونَ أَحَدٍ، فَلَا تَمْنَعْهُ مِمَّنْ ابْتَغَاهُ، ولا تَتَصَدَّيَنَّ بِهِ لِمَنْ لا يُرِيدُهُ (٢).
رَوَى الحَاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْ مُسْلِمِ بْنِ صُبَيْحٍ قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى عَائِشَةَ ﵂، وعِنْدَهَا رَجُلٌ مَكْفُوفٌ، وهِيَ تُقَطِّعُ لَهُ الْأُتْرُجَّ (٣) وتُطْعِمُهُ إيَّاهُ بالعَسَلِ، فَقُلْتُ: مَنْ هَذَا يَا أُمَّ المُؤْمِنِينَ؟، قَالَتْ: هَذَا ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ الذِي
(١) سورة عبس آية (١ - ١٤).
(٢) أخرج قِصَّةَ ابنِ أم مكتوم ﵁: ابن حبان في صحيحه - كتاب البر والصلة - باب فصل من البرِّ والإحسان - رقم الحديث (٥٣٥) - والترمذي في جامعه - باب ومن سورة عبس - رقم الحديث (٣٦٢١) - وإسناده صحيح على شرط مسلم - وانظر سيرة ابن هشام (١/ ٤٠١) - والطبَّقَات الكُبْرى لابن سعد (٤/ ٤٢٢).
(٣) الأتْرُجُّ: هي فاكِهَةٌ مَعْرُوفَةٌ، واحدَتُهُ تُرُنْجَةٌ، وأُتْرُجَّةٌ. انظر فتح الباري (١٠/ ٨٢) - ولسان العرب (٢/ ٢٥).