الوصل الثالث: في ذكر حججهم التي أفتوا بها، وجوابهم عن الحديث:
فأول ما احتجوا به قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى).
وقوله تعالى: (وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ).
وقوله ﷺ: " من قتل له قتيل فهو بخير النظرين، إمّا أن يودى، وإما أن يقاد ".
فأجمع العلماء لهذه النصوص على أن ولي الدم مخير بين القصاص، وبين أن يعفو عن القصاص ويأخذ الدية - واشترط بعضهم لهذا موافقة القاتل - وبين أن يعفو الولي مجانًا.
وبعد أن حكى النووي في شرح مسلم نحو هذا، حاول الجواب عن حديث الباب فقال: " وأما قوله ﷺ: " إن قتله فهو مثله " فالصحيح في تأويله، أنه مثله في أنه لا فضل ولا منّة لأحدهما على الآخر، لأنه استوفى حقه منه، بخلاف ما لو عفى عنه، فإنه كان له الفضل والمنة وجميل الثناء في الدنيا، وجزيل الثواب في الآخرة.
وقيل: فهو مثله: في أنه قاتل، وإن اختلفا في التحريم والإباحة، لكنهما استويا في طاعتهما الغضب، ومتابعة الهوى، لا سيما وقد طلب النبي ﷺ منه العفو.