378

Al-sīra al-nabawiyya: Manhajiyyat dirāsatihā wa-istirāḍ ḥadathihā

السيرة النبوية منهجية دراستها واستعراض أحداثها

Publisher

دار ابن كثير

Edition

الأولى

Publication Year

١٤٢٠ هـ

Publisher Location

دمشق

ففي المقاطعة التي أرادتها قريش ضد المسلمين وكتبوا بذلك صحيفة وعلقوها في جوف الكعبة لحصر المسلمين ومن عاونهم من بني عبد المطلب وإجاعتهم حتى يسلّموا لهم محمدا ﷺ. وفي هذا تصحيح لما هو معروف من أن هذه المقاطعة كانت لإجاعتهم، بل هو حتى يسلموهم محمدا ﷺ ليقتلوه، وبذلك ينتهون من هذا الأمر، أمر الإسلام ودعوته. وكان ابتداء هذه المقاطعة من ليلة هلال المحرم من سنة سبعة للبعثة ولمدة ثلاث سنوات إلى السنة العاشرة، وظهرت في ذلك المعجزات المادية والمعنوية في الصبر والإصرار والتقوية.
ويبدو لي أن الذين يحاربون الإسلام، فيهم غباء، يورثه إياهم بعدهم عن الحق وحربهم له، فماذا يفعلون؟ فهم يعرفون أن محمدا ﷺ حق وأن هذه الأمور لا تقوم له، ولكن كيف يصنع مبطلون يحاربون دعوة حق، مثل ما يفعل المعاصرون، أنظمة وحكاما ومؤسسات (المستشرقون وأتباعهم، والكنيسة) وما يشيعونه من شبهات على التاريخ الإسلامي، ابتداء من السيرة الشريفة، يدل على غبائهم وأشد أنواع الغباء ودرجاته. شجعهم على ذلك جهل المسلمين بتاريخهم.
فحين أتمّ ﷺ فتح الفتوح (فتح مكّة) سأله أسامة بن زيد: أين ننزل غدا يا رسول الله؟ قال: «وهل ترك لنا عقيل دارا» . وطلب أن تضرب قبته (خيمته) في نفس المكان الذي حاصرت قريش فيه المسلمين في شعب أبي طالب في خيف بني كنانة حيث تقاسموا على الكفر، حيث قال ﷺ: «نحن نازلون غدا إن شاء الله بخيف بني كنانة حيث تقاسموا على الكفر» «١» .
ومن أعاجيب هذه الدعوة الكريمة وتعاجيبها- ولا عجب من أمرها لأنها من الله تعالى- أن هؤلاء الصحابة الكرام حين عادوا إلى مكة فاتحين- رمضان

(١) السيرة النبوية، المغازي الذهبي، (١/ ٧٠٩- ٧١٠) . زاد المعاد (٢/ ٢٧١)، ومسلم، رقم (١٣١٤) .

1 / 391