ولا شك أنهم كانوا ينالون طعامًا أجود عندما يضيفهم احد أغنياء الصحابة في داره وكثيرًا ما كانوا يفعلون (١)، ولكنهم في كثير من الأحيان ما كانوا يحصلون على ما يمسك رمقهم، فأثر فيهم ذلك فكانوا يخرون في الصلاة لما بهم من الجوع حتى يقول الأعراب إن هؤلاء مجانين وكان أبو هريرة (رض) يصرع بين المنبر وحجرة عائشة (رض) لما به من الجوع (٢)، لكن قلة طعامهم ما كانت لتؤدي بهم إلى الشره والمغالبة على الطعام، بل كانت حقوق الأخوة وآدابها تحكم علاقاتهم ببعضهم، وقد حكى أبو هريرة (رض) أنهم كانوا إذا اجتمعوا على أكل التمر وأكل أحدهم تمرتين معًا قال لأصحابه (إني قد قرنت فأقرنوا) لئلا ينال من التمر أكثر منهم (٣).
لقد قنعوا بالقليل من الطعام والخشن من الثياب، وعافت نفوسهم القصور لينقطعوا إلى العبادة والعلم والمجاهدة، فكانوا أمثلة للزهد والترفع عن الدنيا.
رعاية النبي والصحابة لأهل الصفة:
كان النبي ﷺ يتعهد أهل الصفة بنفسه، فيزورهم ويتفقد أحوالهم ويعود مرضاهم (٤) كما كان يكثر مجالستهم ويرشدهم ويواسيهم ويذكرهم ويقص عليهم ويوجههم إلى قراءة القرآن الكريم ومدارسته وذكر الله والتطلع إلى الآخرة ويشجعهم على احتقار الدنيا وعدم تمني الحصول على متاعها (٥)، وكان إذا أتته صدقة بعث بها إليهم ولم يتناول منها شيئا وإذا أتته هدية أرسل إليهم وأصاب منها وأشركهم فيها (٦)، وكثيرًا ما كان يدعوهم إلى تناول الطعام في إحدى حجرات
(١) البخاري: الصحيح -كتاب المواقيت- باب السمر مع الضيف والأهل، والحلية ١/ ٣٤١.
(٢) الحلية ١/ ٣٣٩ - ٣٧٨.
(٣) المصدر السابق ١/ ٣٣٩ - ٣٤٠.
(٤) المصدر السابق ١/ ٣٧٥.
(٥) أحمد: المسند ٤/ ٨ وأبو نعيم: الحلية ١/ ٣٤٠،٣٤١.
والسمهودي: وفاء الوفا ١/ ٣٢٢.
(٦) البخاري: الصحيح-رقاق- باب (١٤) وأحمد: المسند ٢/ ٥١٥.
وأبو نعيم: الحلية ١/ ٣٧٧، ٣٣٩ والسمهودي: وفاء الوفا ١/ ٣٢٢.