الله عنهما، ولم يتقدم فيها أمر ولا نظير، وكذلك ترك الخلافة شورى، وتدوين الدواوين، وعمل السكة للمسلمين، واتخاذ السجن فعل ذلك عمر ﵁، وهدم الأوقاف التي بإزاء مسجد رسول الله ﷺ، والتوسعة بها في المسجد عند ضيقه فعله عثمان١ ﵂، وتجديد الأذان في الجمعة بالسوق، وهو الأذان الأول فعله عثمان ﵁، ثم نقله هشام٢ إلى المسجد وذلك كثير جدًا، لمطلق المصلحة"٣.
وقد عقد ذلك صاحب مراقي السعود بقوله - بعدما عرف المرسل، وذكر قبول المالكية له - فقال:
نقبله لعمل الصحابة ... كالنقط للمصحف والكتابة
تولية الصديق للفاروق ... وهدم جار مسجد للضيق
وعمل السكة تجديد الندا ... والسجن تدوين الدواوين بدا
يعني أن المالكية يجوزون العمل بالمرسل رعاية للمصلحة، وذلك لكون الصحابة ﵃ عملوا به كما في نقطهم للمصحف، وتشكيلهم لحروفه، وجمعه في مصحف واحد بعد أن كان متفرقًا في اللخاف٤ وغيرها، لأجل حفظه
١ هو: عثمان بن عفان بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس القرشي الأموي الخليفة الثالث، المكنى بأبي عبد الله وأبي عمر، الملقب بذي النورين، ولد بعد عام الفيل بست سنين على الأصح، وأسلم قديمًا على يد أبي بكر الصديق ﵄، وزوجه النبي ﷺ ابنتيه: رقية وبعد وفاتها أم كلثوم، وأحد العشرة المبشرين بالجنة، وممن بايع بيعة الشجرة، قتل يوم الجمعة ٢٢/١٢/٣٥هـ، ومآثره كثيرة ﵁.
انظر: الإصابة ٦/٣٩١ فما بعدها، والاستيعاب ٨/٢٧ فما بعدها، وفتح الباري شرح صحيح البخاري ٧/٥٢ فما بعدها، وتذكرة الحفاظ للذهبي ١/٨ فما بعدها.
٢ هشام بن عبد الملك بن مروان، أحد ملوك الدولة الأموية، بالشام ولد بدمشق وبويع فيها بعد وفاة أخيه يزيد سنة ١٠٥هـ وخرج عليه زيد بن علي بن الحسين بالكوفة، فوجه إليه من قتله، وفتحت خاقان في أيامه، كان حسن السياسة يقظًا في أمره، يباشر الأعمال بنفسه وكان فظًا غليظًا يجمع الأموال ويعمر الأرض ويقيم الحلبة حتى اجتمع له من المال ما لم يجتمع لأحد قبله من بني أمية ومن الخيل ما لم يجتمع لأحد في جاهلية ولا إسلام، توفي سنة ١٢٥هـ بعد أن مكثت خلافته عشرين سنة إلا شهرًا.
انظر: شذرات الذهب ١/١٦٣، الأعلام للزركلي ٩/٨٤-٨٥.
٣ انظر: شرح تنقيح الفصول ص ٤٤٦.
٤ اللخاف بالكسر حجارة بيض رقاق، واحدتها لخفة، بوزن صفحة وهي في حديث زيد ابن ثابت ﵁ ا. هـ، مختار الصحاح ص ٥٩٥ حيث قال: في سبب جمع القرآن في أيام أبي بكر الصديق بأمره ﵁ "فتتبعت القرآن أجمعه من العسب واللخاذ وصدور الرجال" الحديث.
انظر: الإتقان في علوم القرآن للسيوطي ١/٥٧.