253

Al-waṣf al-munāsib li-sharʿ al-ḥukm

الوصف المناسب لشرع الحكم

Publisher

عمادة البحث العلمي،بالجامعة الإسلامية

Edition

الأولى

Publication Year

١٤١٥هـ

Publisher Location

بالمدينة المنورة

الدليل الثالث: قالوا: لو لم تعتبر المصلحة في المناسب المرسل لأدى عدم اعتبارها إلى خلو بعض الوقائع عن حكم الله تعالى، ذلك لأن النصوص والأقيسة المحمولة عليها محصورة، والحوادث غير محصورة، والمحصور لا يفي بغير المحصور، وعلى هذا لزم خلو بعض الحوادث المتجددة عن الأحكام١، وخلو الحوادث عن الأحكام باطل، بدليل أن أئمة التشريع السابقين وولاة الأمر، وأهل الفتوى والأقضية لم يكونوا يخلون حادثة عن حكم الله تعالى مع كثرة الحوادث والوقائع التي كانت ترد عليهم، ولو كان يمكن خلو واقعة عن حكم لحصل ذلك في زمنهم، ولو حصل لنقل إلينا لأن العادة تقتضي نقل مثل هذا إلينا، فلما لم ينقل إلينا علمنا أنهم لم يخلو واقعة عن حكم فثبت أن كل واقعة لا بد لها من حكم.
ومن المعلوم أن الأحكام التي كانوا يصدرونها في الوقائع لم تكن كلها صادرة عن نص أو قياس، بل كان بعضها عن نص، والآخر عن قياس، وبعضها محكوم فيه بالمصلحة، ولو جاز خلو الواقعة عن حكم لما حكموا فيما لم يرد في نص ولا قياس بالمصلحة، ولأخلوا بعض الحوادث عن حكم، ولكن الواقع خلاف ذلك.
يدل لهذا ما نقله إمام الحرمين عن الشافعي رحمهما الله، ونصه: "قال الشافعي: إنا نعلم قطعًا أنه لا تخلو واقعة عن حكم الله تعالى معزو إلى شريعة محمد ﷺ ... وذلك أن الأئمة السابقين لم يخلوا واقعة على كثرة المسائل وازدحام الأقضية والفتاوى عن حكم الله تعالى، ولو كان ذلك ممكنًا لكانت تقع، وذلك مقطوع به أخذًا من مقتضى العادة، وعلى هذا علمنا أنهم ﵄ استرسلوا في بناء الأحكام استرسال واثق بانبساطها على الوقائع متصد لإثباتها فيما يعن ويسنح، متشوف إلى ما سيقع، ولا يخفى على المنصف أنهم ما كانوا يفتون فتوى من تنقسم الوقائع عنده إلى: ما يعرى عن حكم الله تعالى، وإلى ما لا يعرى

١ انظر: المختصر مع شرحه ٢/٢٨٩ والمنخول ص ٣٥٧.

1 / 271