ومن الأدلة ما ورد أن الشيطان تصور في صورة شيخ نجدي، عندما اجتمعت قريش بدار الندوة، لتمكر بالرسول ﷺ (١)، قال تعالى: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ (٣٠)﴾ الأنفال: ٣٠.
وأما في السنة المطهرة فقد وردت أحاديث عديدة تدل على تشكل الجن ورؤيتهم، نجتزئ بعضها للاستدلال على ذلك:
١ - ثبت في الصحيحين عن أبي هريرة ﵁ أنه قال: قال رسول الله ﷺ: (إنَّ عفريتًا من الجن تفلت عليَّ البارحة، ليقطع عليَّ الصلاة، وإن الله أمكنني منه فذعته (٢)، فلقد هممت أن أربطه إلى جنب سارية من سواري المسجد، حتى تنظرون إليه أجمعون (أو كلكم) ثم ذكرت قول أخي سليمان: ﴿قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي﴾ ص: ٣٥، فرده الله خاسئًا) (٣).
وقد جاء في روايات أن الشيطان جاء بشعلة من نار ليحرق بها وجه الرسول ﷺ، فأخذه حتى وجد برد لسانه على يده الشريفة (٤).
قال النووي: " فيه دليل على أن الجن موجودون، وأنهم قد يراهم بعض الآدميين. وأما قول الله تعالى: ﴿إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ﴾ الأعراف: ٢٧؛ فمحمول على الغالب،
(١) رواية ابن عباس في ذلك أخرجها أحمد في مسنده برقم (٣٢٥١)، والطبري في تفسيره (٩/ ٢٢٧)، وعبد الرزاق في المصنف (٥/ ٣٨٩)، وقد أورد الإمام البخاري قصة الهجرة الصحيحة في الحديثين (٣٩٠٥، ٣٩٠٦) كتاب مناقب الأنصار، باب هجرة النبي ﷺ وأصحابه إلى المدينة، وينظر للقصة: سيرة ابن هشام (٢/ ٩٣ - ٩٥)، خلاصة الوفا بأخبار دار المصطفى، لعلي بن عبد الله بن أحمد الحسني السمهودي (١/ ٨٦)، تفسير البغوي (٢/ ٢٤٤)، أسماء المدلسين للسيوطي (١/ ٢٤٠).
(٢) ذُعْتُه: خنقته.
ينظر: لسان العرب (٢/ ٣٣)، تاج العروس للزبيدي (٤/ ٥٥٢)، الفائق لمحمود بن عمر الزمخشري (٢/ ١٠).
(٣) أخرجه مسلم في صحيحه. كتاب المساجد باب جواز لعن الشيطان في أثناء الصلاة برقم (٥٤١)، وأخرجه البخاري بنحو هذا اللفظ، كتاب التفسير، باب هب لي ملكًا لا ينبغي لأحد من بعدي برقم (٣٤٢٣).
(٤) أخرجه الإمام أحمد في مسنده برقم (٣٩١٦)، وأخرجه الدارقطني برقم (١٤٠)، وصححه الألباني في صفة صلاة النبي ﷺ (ص ٨٤).