174

Tawfīq al-Rabb al-Munʿim bi-sharḥ Ṣaḥīḥ al-Imām Muslim

توفيق الرب المنعم بشرح صحيح الإمام مسلم

Publisher

مركز عبد العزيز بن عبد الله الراجحي

Edition

الأولى

Publication Year

١٤٣٩ هـ - ٢٠١٨ م

وقوله: «وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مُتَّكِئًا، فَجَلَسَ فَمَا زَالَ يُكَرِّرُهَا، حَتَّى قُلْنَا: لَيْتَهُ سَكَتَ»، يعني: رحمةً به وشفقةً عليه، فقد رأوا أنه تكلف ﵊، فأرادوا أن لا يشق على نفسه، فقالوا: «لَيْتَهُ سَكَتَ» عن تكرارها، وليس ذلك لأن شهادة الزور أكبر من غيرها، كالشرك، فالشرك أكبر وأعظم منها، وعقوق الوالدين كذلك، لكن كررها ﵊؛ لأن شهادة الزور ينتج عنها مفاسد كثيرة، فقد يشهد الإنسان الزور على شخص؛ فيُقتَل بغير حق، وقد يشهد الإنسان زورًا على شخص بأنه زانٍ، فيجلد، أو يرجم، وقد يشهد زورًا على شخص بأن له كذا وكذا عند شخص، فيلزم بدفع مال بسبب هذه الشهادة، فلهذا كررها النبي ﷺ واهتم بالزجر عنها؛ لأن الداعي إليها كثير، ولما يترتب عليها من المضار والمفاسد.
وشهادة الزور تدل على ضعف الإيمان ونقصه، وهذا هو وجه إدخال المؤلف هذه الأحاديث في كتاب الإيمان، وهو أن من فعل الكبيرة نقُص إيمانه، وإذا فعل الشرك خرج من الإيمان.
وفيه: دليل على أن الإيمان يزيد، وينقص، فالمؤمن الذي يؤدي الواجبات وينتهي عن المحارم إيمانُه كامل، والمؤمن الذي يفعل الكبائر والمعاصي إيمانه ناقص وضعيف، فالإيمان يتفاوت، يزيد وينقص، ويقوى ويضعف.
وإذا اجتنب الإنسان الكبائر وأدَّى الفرائض تُكَفَّر صغائر ذنوبه، قال سبحانه: ﴿إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم﴾، يعني: الصغائر، وقال ﵊: «فِتْنَةُ الرَّجُلِ فِي أَهْلِهِ وَمَالِهِ تُكَفِّرُهَا الصَّلَاةُ، والصَّوْمُ، والصَّدَقَةُ» (^١).

(^١) أخرجه البخاري (٥٢٥)، ومسلم (١٤٤).

1 / 180