289

الصفيح الأعلى فعاين عجائب صنعتك، وأريته ملكوت سماواتك فعلم من اختلاف حركاتها ما أشبه على غيره، وأحصى بلطيف روحانيته مقادير كل من أفلاكها وتقديره في مسيره، ولاحظ ما رصعت به أجرامها من درر دراريها وزواهرها، وزينت صفيحها بجواهر نيراتها من ثابتها وسائرها، فالشمس والقمر بحسبان حسابه عرف انتقالهما بتحولهما، وبكشف صور الأشياء لهويته علم مقدار صعودهما وهبوطهما.

آتيته من لدنك علما فخرق بتأييدك صفوف ملائكتك، وكشفت الحجاب عن بصيرته فشاهد صفات أشباحهم بعين عنايتك، فعرفنا هيئاتهم، واختلاف أشخاصهم، وأعلمنا بتقارب درجاتهم وخواصهم، حتى كأنه عمر فيهم عمره، وأقام بينهم دهره، وشاركهم في الإخلاص بعبادة معبودهم، وشابههم بخشوعهم في ركوعهم وسجودهم، وساواهم في الاذعان بالطاعة لربهم، وساماهم في شرف منازلهم وقربهم.

فأصبح يخبرنا عن شدة اجتهادهم في تعظيم مبدعهم، وإخلاص جهادهم في توجههم إلى معبودهم وتضرعهم، ووصف لنا من عظم أجسادهم ما أذهل عقولنا، وأعلمنا من تفاوت أشباحهم ما حيرنا، وأرجف قلوبنا بقوله (صلوات الله عليه): ثم فتق ما بين السماوات العلى فملأهن أطوارا من ملائكته، منهم سجود لا يركعون، وركوع لا ينتصبون، وصافون لا يتزايلون (1)، ومسبحون لا يسأمون- إلى قوله (صلوات الله عليه):- ومنهم الثابتة في الأرضين السفلى أقدامهم، والمارقة من السماء العليا أعناقهم، والخارجة من الأقطار أركانهم، والمناسبة لقوائم العرش أكتافهم، ناكسة دونه أبصارهم، متلفعون (2)

Page 317