190

لاستيلاء الأمير أيدغدي بن كشطفان المعروف بشمله عليها وتغلبه، وتبطل أمره بتطلبه. فبقي في البلاد دائرا حائرا، صابرا بالبلاء وإلى الضيق صائرا. وأما السلطان محمد، فإنه مع تكسيره وامتزاج صحة مزاجه بسقمه، ووقوف رصد المنون على لقمه، رغب في التزوج بابنة ملك كرمان فخطبها مع ما هو فيه من خطب، وبذل وحمل، وأتحف واحتفل. ووردت الخاتون الكرمانية، فزينت لقدومها القصور، ووفر لحضورها الحبور واستقبلها السلطان لمرضه في المحفة، وأحلها في كنفه. وتركها لا يقدر منها على متعة، ولا يطيق الإلمام من روضها برتعة. فما اقتضت باقتضاضها قدرته، ولا افترت بافتراعها مسرته. بل عجز عن البناء عليها، وقصرت يد صحبته عن الامتداد إليها.

وبقيت في جنابه مخيمة، وفي حياته متأيمة. وعرضت للوزير شمس الدين أبي النجيب هيضة1غربت بها شمسه، وفاضت نفسه، وغاض بفيض رمسه، وانقطع غده ونسي بيومه أمسه. ولقد كان أقوم قومه سيرة، وأمثل أمثاله وتيرة. وكان بالتواضع حاليا، ومن التكبر خاليا. وقلد السلطان وزارته ضياء الدين بن مجد الدين بن علجة الأصفهاني فنقله إلى الوزارة من منصب الطغراء، وزف عروس تلك المرتبة منه أمثل الأكفاء. ولقد كان في السيادة عريقا، وبالرئاسة لبيقا. لكنه جاءته الوزارة وهو مشارف الرجل، ومشار2الأجل. فما قرب من الوسادة حتى قبر ووسد، وما قام خطه بقدره وحتى قاومه القدر وأقعد فأحزن السلطان موته، وحزبه فوته. وكان قد طالت له صحبته، وأدالت منه لذته صحته. وهو يعده بالوزارة ويعرضها المطل، وجادت بوصل حين لا ينفع الوصل.

ومكث السلطان بعد ذلك لا حيا فيرجى، ولا ميتا فيسجى، ثم إنه توفي يوم السبت لانسلاخ ذي القعدة سنة 554 ه، وكثر عليه الترحم، وزاد بمصابه التألم. فإنه كان أوقر السلجقية حلما، وأوفرهم علما، وأحبهم للعدل، وأحباهم للفضل. واختلف من بعده الأمراء، فاجتمعت آرائهم على استدعاء الأمير إيناج صاحب الري، ونشروا من الأمر المستور بممالأته ما كان في الطي. ثم تعارضت آراؤهم وتناقضت أهوؤهم، فمنهم من مالى إلى ملكشاه أخي المتوفي، ومنهم من رأى الإرسال إلى الملك أرسلان لمكان أتابك إيلدكز زوج أمه. ومنهم من أشار بتمليك سليمان عمه. وكان الأمير إيناج يومئذ أكثر جندا، وأكثف جمعا وأرهف حدا. ومال إلى سليمان وقال: هو أسلم جانبا وأوطؤه.

وأثبت عن الأذية رأيا وأبطؤه. والخليفة كان قد ولاه، ووالى إليه الجميل وأولاه. فإذا أجلسناه قام الخليفة بتربيته، ورضي بتوليته.

Page 372