فكان لهذا النبأ فرح شمل عموم الرعايا في تركية واستبشر به الجميع خيرًا وشَعَرَ الناس كأن حِملًا باهظًا سقط من كواهلهم أو حُلت عنهم ربقة الاستعباد وكٌسِرت أغلال أسرهم. فانطلقت الألسنة بالمديح وشحذت الأذهان بالقريض فضاقت صفحات الجرائد عن استيعاب ما تُنتج به القرائح من الفصول الشائقة والقصائد الرنانة الرائقة.
وما لبثت الجرائد المصرية والمغربية والأميركية من مسلمين ودروز ونصارى تضرب على الوتر عينه فتارة تطوى الحرية وتحبذ المساواة والإخاء. وتارة تسلق بسهام حادة تركية وسلطانها المستبد وحيانًا ترفع إلى السحاب نيازي وأنور وطلعت وجمالًا وتُسّكر بمحامد تركية الفتاة لا سيما بعد أن اضطرت عبد الحميد إلى النزول عن عرشه مخلوعًا منفيًا إلى سالونيك يبكي على سلطانه المفقود.
على أن هذه الأفراح لم تلبث أن ترنق صفاؤها بما ظهر للمفرحين من استبداد كان شرًا من الاستبداد الحميدي بتطرف ضابطي أزمة الأمور من جمعية الاتحاد والترقي إذ تحاملوا على مَن لم ينحز على رأيهم فرفعوا البعض منهم على الأعواد وأذاقوا غيرهم ضروب العذابات التي اعتادها همج الشعوب. فكفت تلك الكتابات عن تزميرها وتطبيلها وغيرت لهجتها نوعًا إلا أنها خوفًا من عقاب الحزب المتولي في الدولة لم يجسروا أن يعلنوا بمآثمهِ.
ثم زادت الأحوال حراجة بمكايد جمعية الاتحاد والترقي وتقبلت الوزارات وتعددت الأحزاب وبلغت أمور الدولة التركية منتهاها من الاضطراب بحربيها مع إيطالية سنة ١٩١١ - ١٩١٢ ومع الدول البلقانية ١٩١٢ - ١٩١٣ فقدت آخر ولاياتها في أفريقية طرابلس الغرب وكادت الدول البلقانية تأتي على ولاياتها الأوربية لولا ما وقع بينها من النزاع. فوجدت هذه الأحوال كتبة وشعراء طنطنوا بمعاظم تركية وبالتشنيع على أعدائها الإيطاليين والبلغار.
وكانت ثالثة الأثافي الحرب الكونية التي انحازت فيها تركية إلى الدول المركزية مدفوعة إلى تحزبها بمواعيد ألمانية العرقوبية وبمطامع بعض زعمائها الساعين وراء مصالحهم الخاصة فكان ما كان بكسرة ألمانية والمحاربين في جانبها فخرجت منها تركية مذللة خاسرة.
أما الآداب العربية في مدة تلك الفوضى فإنها كاد يقضى عليها بمصادرة الجمعيات