إذا تَلَفَّتُّ لم أُبْصِر سوى صُورٍ ... في الذهن يرسمُها نقَّاشُ من مالي
تَهْفو بيَ الريحُ أحيانًا ويَلْحفني ... بَرْدُ الطلال ببُرْدِ منهُ أسمْالي
فلو تراني وبُردي بالندى لَشِقٌ ... لَخِلْتَني فرخَ طيرٍ بين أدغالِ
لا يستطيعُ انطلاقًا من غيابته ... كأنما هو معقولٌ لعقاَّلِ
أدباء المسلمين المصريين في أوائل القرن العشرين
عبد اللطيف الصيرفي
هو شاعر مصري معاصر لسامي البارودي كاد يجاريه في سنتي مولده ووفاته. ولد في الإسكندرية سنة ١٢٥٧هـ (١٨٤١م) وتوفي سنة ١٣٢٢هـ (١٩٠٤م) تعلم في المدارس الأهلية حتى أتقن اللغة العربية والحساب والأنغام وبرع بالخط فدخل في دواوين التحريرات وخدم حكومة وطنه زمنًا طويلًا ثم اشتغل بفن المحاماة إلى سنة وفاته. صنف ديوانًا نشره بعد وفاته ابنه عبد العزيز وهو مجلد واسع في ٢٢٠ صفحة طبع سنة ١٣٣٥هـ (١٩٠٨م) وشعره سهل وسط لا يخلو من بعض الرقة والتفنن وكذلك نثره له منه فصول ومراسلات ومداعبات منسجعة.
وهذا مثال من شعره قاله يهجو أحد العمَّال في دمنهور:
كانت دمنهورُ لنا ... مهدَ المحاسن والظرائفْ
لا سيما لمّا رقَتْ ... بُمديرها ربّ اللطائفْ
خيري اللائق احمدٍ ... مُحيي الفاخر والمعارفْ
وسعت لنادي فضلهِ ... أهل الفضائل والعوارفْ
فاستأنستْ نفسي بهم ... وظْللتُ ألتقط الطرائفْ
وأقول قد سعدت دمن ... هورُ وراقت كلَّ طائفْ
لكن بها كلبٌ عَقُوٌر ... قد بدتْ منه المخاوفْ
لا زال يعطفُ كاسرًا ... فيسيء جالسها وواقفْ
حتى غدَت موبؤةً ... بوجوده والكلُّ واجفْ
فمن الذي يأتي لها ... ما دام فيها الكلبُ عاطفْ
ألا وَبسْتور لهُ ... في كل آونة مساعفْ
ولرَّبما لم يُجْده ... تطبيُبُه والداءُ ناقفْ
فالله يخفى رسمهُ ... منها فتأخذُه المتآلف
لأكون أوَّل آمنِ ... وأكون آخر من يجازفْ