Tahāfut al-Tahāfut
تهافت التهافت
[57] ولا بد ولان العقل ليس هو شيئا اكثر من ادراك نظام الاشياء الموجودة وترتيبها ولكنه واجب فيما هو عقل مفارق الا يستند فى عقل الاشياء الموجودة وترتيبها الى الاشياء الموجودة ويتأخر معقوله عنها لان كل عقل هو بهذه الصفة فهو تابع للنظام الموجود فى الموجودات ومستكمل به وهو ضرورة يقصر فيما يعقله من الاشياء ولذلك كان العقل منا مقصرا عما تقتضيه طبائع الموجودات من الترتيب والنظام الموجود فيها فان كانت طبائع الموجودات جارية على حكم العقل وكان هذا العقل منا مقصرا عن ادراك طبائع الموجودات فواجب ان يكون ههنا علم بنظام وترتيب هو السبب فى النظام والترتيب والحكمة الموجودة فى موجود موجود وواجب أن يكون هذا العقل النظام الذى منه هو السبب فى هذا النظام الذى فى الموجودات وان يكون ادراكه لا يتصف بالكلية فضلا عن الجزئية لان الكليات معقولات تابعة للموجودات ومتأخرة عنها وذلك العقل الموجودات تابعة له فهو عاقل ضرورة للموجودات بعقله من ذاته النظام والترتيب الموجود فى الموجودات لا بعقله شيئا خارجا عن ذاته لانه كان يكون معلولا عن الموجود الذى يعقله لا علة له وكان يكون مقصرا .
[58] واذا فهمت هذا من مذهب القوم فهمت ان معرفة الاشياء بعلم كلى هو علم ناقص لانه علم لها بالقوة وان العقل المفارق لا يعقل الا ذاته وانه بعقل ذاته يعقل جميع الموجودات اذ كان عقله ليس شيئا اكثر من النظام والترتيب الذى فى جميع الموجودات وذلك النظام والترتيب هو الذى تتقبله القوى الفاعلة ذوات النظام والترتيب الموجودة فى جميع الموجودات وهى التى تسميها الفلاسفة الطبائع فانه يظهر ان كل موجود ففيه افعال جارية على نظام العقل وترتيبه وليس يمكن ان يكون ذلك بالعرض ولا يمكن ان يكون من قبل عقل شبيه بالعقل الذى فينا بل من قبل عقل أعلى من جميع الموجودات وليس هو لا كليا ولا جزئيا .
Page 340