322

Tafsīr Bayān al-Saʿāda fī maqāmāt al-ʿibāda

تفسير بيان السعادة في مقامات العبادة

لكن لا يدخله الا بعد تصفيته عما لا يليق به تعالى وقد سبق فى سورة البقرة عند قوله تعالى:

ومن أظلم ممن منع مساجد الله

[البقرة: 114] (الى آخرها) تحقيق للمسجد { مخلصين له الدين } اى طريق الدعوة من الاغراض والاهواء خارجين من ارادتكم واختياركم كالميت بين يدى الغسال مؤتمرين بأمر؛ موتوا قبل ان تموتوا: فانه { كما بدأكم } من غير ارادة منكم واختيار وغرض وهوى { تعودون } فمن أراد العود اليه فليخرج من جميع ما ينسب الى نفسه والا فسيعيده الملائكة الغلاظ كاعادة العبد الجانى الآبق الى مولاه للمؤاخذة، او المعنى ادعوه متضرعين منتظرين للورود عليه مخلصين له الطاعة والعبادة لانه كما بدأكم تعودون اليه فيجازيكم على طاعاتكم وعلى اى تقدير يكون قوله كما بدأكم تعودون فى مقام التعليل.

[7.30]

{ فريقا هدى } جملة حالية او مستأنفة لبيان حال العباد حين العود كما فى الخبر او مطلقا ترغيبا وتحذيرا { وفريقا حق عليهم الضلالة إنهم اتخذوا الشياطين أوليآء من دون الله } تعليل لحقية الضلالة والمراد بالشياطين شياطين الجن فى تزيين الاهواء والمشتهيات وشياطين الانس فى تزيين باطلهم بصورة الحق من ائمة الجور واظلالهم { ويحسبون أنهم مهتدون } فى اتباع العادات والاهواء واستنباط احكام الله بالآراء والاستبداد بالظنون المستنبطة من الاقيسة والاستحسانات، واخذ احكام الله ممن لم يؤمروا بالاخذ منهم والايتمام بهم، والتحاكم الى من أمر الله ان يكفروا به والعمل بما لم يأخذوا ممن امروا ان يأخذوا منه ممن نص الله ورسوله (ع) عليه، وبالجملة كل من لم يكن منصوصا من الله ولا من رسوله (ص) ولا اوصيائه (ع) خصوصا ولا عموما ولا آخذا من المنصوص عليه كذلك فقوله وفعله وحاله كلها ضلالة، سواء استبد برأيه او اخذ من غير المنصوص عليه سواء كان ذلك الغير من ائمة الجور والمستبدين بالآراء او من المتقلدين للعلماء والآباء، وسواء كان المأخوذ موافقا لصور احكام الله اولا، وسواء كان من العادات والرسوم اولا، ثم بعد التنبيه على وجوب اقامة الوجوه عند كل مسجد واخلاص الدين لله صرف الخطاب عنه (ص) الى الخلق فقال: { يابني آدم خذوا زينتكم }.

[7.31]

{ يابني آدم خذوا زينتكم } ما به جمالكم من طهارة الابدان من الاخباث والاحداث والثياب الجميلة الطيبة وتحسين شعور رؤسكم ولحاكم بالمشط، وغيره مما يتزين به من الادهان والخضاب، ومن الافعال الحميدة والاقوال الفصيحة المفصحة عن أمور الآخرة ومن محبة ذوى القربى والعقائد الصحيحة، ومن الاحوال والاخلاق الجميلة والمكاشفات الصحيحة والمشاهدات القلبية والمعاينات الروحية { عند كل مسجد } وقد سبق بيان المسجد ووجه دخول لفظ العموم عليه وان اصل الكل هو خليفة الله فى الارض، وقد فسر الزينة والمسجد فى هذه الآية وفى غيرها بما ذكرنا من اراد الاطلاع على ما ورد عن المعصومين (ع) فليرجع الى الكافى والصافى وغيرهما { وكلوا واشربوا } فان التزين والاكل والشرب مباحة لكم ولا تنافى اقامة الوجوه عند المساجد بل تقويكم على ذلك، ولا يخفى تعميم الاكل والشرب كالزينة { و } لكن { لا تسرفوا } بالافراط فى التزين بحيث يمنعكم من اقامة الوجوه لاشتغال نفوسكم بتحصيلها وتحصيل ثمنها وحفظها عن التدنس وبالافراط فى الاكل والشرب وفى طيبوبة المأكول والمشروب لتضرركم بالزيادة على قدر اشتهائكم فى ابدانكم ونفوسكم وكسالتكم واشتغالكم { إنه لا يحب المسرفين } فى اى شيء كان لان الاسراف يجرى فى جملة الافعال والاقوال والاحوال، كما ورد فى جواب من قال: افى الوضوء اسراف؟ - من قوله (ع): نعم فى الوضوء اسراف ولو كنت على نهر، فان استعمال القوى والاعضاء فى كل فعل زائدا على تحصيل حقيقة ذلك الفعل واجبا كان ام مندوبا ام مباحا وزائدا على تحصيل كمالاته اسراف، هذا بحسب التنزيل، واما بحسب التأويل والباطن فالاسراف فى الاكل والشرب واللبس بانه يكون كل منها بغلبة النفس على العقل والغفلة عن الامر والنهى، فانه اسراف استحصال النفس فى مشتهياتها حتى تصير غالبة على العقل والامر الآلهى.

[7.32]

{ قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده } كأنهم كانوا يعدون ترك التزين وترك الطيب من المأكول والمشروب من لوازم العبادة وطلب الآخرة، فأمرهم اولا بالتزين والاكل والشرب، وثانيا بانكار تحريمه تأكيدا، والتوصيف بالاخراج لعباده اشارة الى ان الزينة اولا وبالذات لمن صار عبدا له، ولغيره بتبعيته لا انه حرام عليه لعبادته { والطيبات من الرزق } البدنى النباتى والحيوانى والانسانى ومن الرزق الروحانى من ارزاق النفوس والقلوب والارواح { قل هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا } اعلم، ان الدنيا والآخرة خلقتا لخليفة الله بالذات وهذا احد وجوه قوله: لولاك لما خلقت الافلاك، فمن اتصل به بالاتصال التقليدى الذى هو قبول الدعوة الظاهرة وقبول ما اخذ عليه بالبيعة العامة وعقد يده على يد الخليفة بالمعاهدة الاسلامية، او اتصل به بالاتصال الايتامى الذى هو قبول الدعوة الباطنة وقبول ما اخذ عليه بالبيعة الخاصة وعقد يده على يد الخليفة بالمعاهدة الايمانية، فدخل الايمان الذى هو صورة نازلة من الخليفة فى نازل مراتب قلبه الذى هو الصدر، ثم دخل صورة اخرى له ملكوتية فى مرتبة اخرى من قلبه هى اعلى من تلك المرتبة، وهكذا الى ان يتحقق بحقيقة الخليفة فهما كانتا له بقدر اتصاله ويرث من الخليفة بحسبه، ومن لم يتصل به بشي من الاتصال فهما عليه حرامان واذا ملك شيئا من الدنيا مما غلب عليه كان مغصوبا فى يده، ولذلك قال: { هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا } ، من غير تقييد بالخلوص من يد الغير يعنى سواء غلب عليها غيرهم او لم يغلب عليها، ولما لم يمكن غلبة الغير عليها فى الآخرة قال { خالصة يوم القيامة } قرئ خالصة بالرفع وبالنصب واعراب الآية ان هى مبتدء وللذين آمنوا خبره، او حال وفى الحيوة الدنيا خبر، او خبر بعد خبر، او حال عن فاعل آمنوا، او عن المستتر فى الظرف، او ظرف لغو متعلق بآمنوا، او بقوله للذين آمنوا، او بعامل من افعال الخصوص حال، او خبر بعد خبر، او خبر ابتداء اى مغصوب عليها فى الحيوة الدنيا، وخالصة على قراءة الرفع خبر هى، او خبر بعد خبر، او خبر مبتدء محذوف، وعلى قراءة النصب حال من واحد من العوامل السابقة، وعن الصادق (ع) بعد ان ذكر انهار الارض فما سقت واستقت فهو لنا وما كان لنا فهو لشيعتنا وليس لعدونا منه شيء الا ما غصب، وان ولينا لفى اوسع مما بين ذه وذه، يعنى مما بين السماء والارض ثم تلا هذه الآية: قل هى للذين آمنوا فى الحيوة الدنيا المغصوبين عليها خالصة لهم يوم القيامة بلا غصب، وفى قوله تعالى

اليوم أحل لكم الطيبات

Unknown page