Tafsīr āyāt al-aḥkām
تفسير آيات الأحكام
الحكم الثاني: هل الإحصار يشمل المرض والعدو؟
اختلف العلماء في السبب الذي يكون به الإحصار، والذي يبيح للمحرم التحلل من الإحرام.
فذهب الجمهور (مالك والشافعي وأحمد) إلى أن الإحصار لا يكون إلا بالعدو، لأن الآية نزلت في إحصار النبي صلى الله عليه وسلم عام الحديبية، عندما منع من دخول مكة هو وأصحابه وكانوا محرمين بالعمرة.
وقال ابن عباس: لا حصر إلا حصر العدو.
وذهب أبو حنيفة: إلى أن الإحصار يكون من كل حابس يحبس الحاج عن البيت من عدو، أو مرض، أو خوف، أو ذهاب نفقة، أو ضلال راحلة، أو موت محرم الزوجة في الطريق، وغير ذلك من الأعذار المانعة.
وحجته: ظاهر الآية { فإن أحصرتم } فإن الإحصار - كما يقول أهل اللغة - يكون بالمرض، وأما الحصر (المنع والحبس) فيكون بالعدو، فلما قال تعالى: { أحصرتم } ولم يقل (حصرتم) دل على أنه أراد ما يعم المرض والعدو.
واستدل بما روي عن ابن مسعود أنه أفتى رجلا لدغ بأنه محصر وأمره أن يحل.
وحجة الجمهور أن الله تعالى ذكر في الآية قوله: { فإذآ أمنتم } وهو يدل على أنه حصر العدو لا حصر المرض، ولو كان من المرض لقال: (فإذا برأتم) ولقول ابن عباس: لا حصر إلا حصر العدو، فقيد إطلاق الآية وهو أعلم بالتنزيل.
الترجيح: ولعل ما ذهب إليه الحنفية يكون أرجح، فهو الموافق لظاهر الآية الكريمة، والموافق ليسر الإسلام وسماحته، وقد اعتضد بأقوال أهل اللغة، فإنهم جميعا متفقون على أن (الإحصار) يكون بالمرض، و(الحصر) يكون بالعدو، والآية بظاهرها تميل إلى التيسير ، فإن المريض الذي يشتد مرضه كيف يمكنه إتمام المناسك! والشخص الذي تضل راحلته، أو تضيع نقوده كيف يستطيع متابعة السفر، مع أنه لم يعد يملك نفقة ولا زادا؟ وهل يكلفه الإسلام أن يستجدي من الناس؟!
وهذا الذي رجحناه هو الذي اختاره شيخ المفسرين (ابن جرير الطبري) رحمه الله حيث قال ما نصه: " وأولى التأويلين بالصواب في قوله: { فإن أحصرتم } تأويل من تأوله بمعنى: فإن أحصركم خوف عدو، أو مرض، أو علة من الوصول إلى البيت، أي صيركم خوفكم أو مرضكم تحصرون أنفسكم. ولو كان معنى الآية ما ظنه المتأول من قوله: { فإن أحصرتم } فإن حبسكم حابس من العدو عن الوصول إلى البيت، لوجب أن يكون: فإن حصرتم ".
Unknown page