﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ﴾ [النمل: ١٤]، لكن جحَدوا ظُلْمًا وعُلُوًّا.
فهو يَقول: ﴿مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى﴾؛ أي: ما أَرَى أنه صَواب وأنه حَقّ. وهذه الدَّعوةُ كاذِبة، وإن كان أَراد ما أُرِيكم إلَّا ما أَرَى أنه من مَصلَحتي؛ فهذا صادِقٌ لكنه غاشٌّ.
وعلى كل حال: فالجُمْلة مُؤاخَذ عليها؛ لأنها إمَّا كذِب وإمَّا غِشّ، إمَّا كذِب إن كان يَقول: ما أُرِيكم إلَّا ما أَرَى من الصَّواب، وإمَّا غِشٌّ إذا كان يَرَى أنَّ الحقَّ خِلاف ما أَراهُم لكنه لمَصلَحته أَراهُم ما رَأَى.
قال المفَسِّر ﵀: [ما أُشير عَلَيكم إلَّا ما أُشير به على نَفْسي وهو قَتْل موسى]، هذا أيضًا تَخصيص في غير محَلِّه؛ لأن فِرعونَ لا يُهِمُّه أن يَقولوا: اقْتُلْ موسى أو لا تَقْتُلْه؛ لأنه مُصمِّم على ما يُريد، لكِنَّ أهَمَّ شيء ألَّا يَكفُروا به، وألَّا يُبدِّل دِينَهم، وعلى هذا فالمَقصود بقوله: ﴿إِلَّا مَا أَرَى﴾ في بَقائِكم على دِينكم، هذا مَعنى الآية، لأن أَصْل الإنكار على مُوسى والتَّهديد بقَتْله أَصلُه أنه خاف أن يُبدِّل الدِّين.
قال: ﴿مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ﴾ يَعنِي: ما أَدُلُّكم إلَّا على سبيل الرَّشاد، والرَّشاد ضِدُّ الغَيِّ؛ ولهذا يُقال: رُشْد وغَيٌّ. ﴿قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ﴾ [البقرة: ٢٥٦] فالرَّشاد هو ضِدُّ الغَيِّ، يَعنِي: الصَّواب والسَّداد، وسَبيل بمَعنى: طَريق، وهو أَكذَب الكاذِبين؛ لأنه ليس يَهديهم سَبيل الرَّشاد، بل يَهديهم سَبيل الغَيِّ والعِناد والاستِكْبار والكُفْر؛ فصار كاذِبًا في الجُمْلتين ﴿مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى﴾ إذا قُلْنا: إن المَعنَى: إلَّا ما أَرَى أنه صَواب ﴿وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ﴾ فهو أَيْضًا كاذِب لأنه بلا شَكٍّ يَهديهم سَبيل الغَيِّ والفَساد.