356

Tafsīr al-ʿUthaymīn: al-Nūr

تفسير العثيمين: النور

Publisher

مؤسسة الشيخ محمد بن صالح العثيمين الخيرية

Edition

الأولى

Publication Year

١٤٣٦ هـ

Publisher Location

المملكة العربية السعودية

لا يقتاتون إلَّا من ورق الشَّجر إن تيسَّر لهم، ولا يأكلون اللَّحم إلَّا من خِفاف الإِبل المشويَّة إن تيسَّرت، هَؤُلَاءِ هم الَّذينَ عرفوا قدر هَذِهِ النِّعمة، والآن أصبحت اللحوم تلقى على المزابل من عدم أكلها.
فعلى كل حال: الأَمْن بعد الخَوْف أَشَدّ ظهورًا منه من الأَمْن على الأَمْن؛ لأنَّه لا يظهر في الحقيقَة استمرار الأَمْن بين قوم لم يذوقوا رهبة الخَوْف، هَذَا قد لا يُشعر به، والَّذي يشعر بظُهور نعمة الأَمْن إنما يَكُون ذاقها من بعد الخَوْف، ولا شَك أن الَّذينَ خوطبوا بهَذه الآيَة أولًا قد ذاقوا رهبة الخَوْف؛ لأنهم كانوا خائفين من أعدائهم الْكُفَّار لما لاقوه من الأَذَى الشَّديد القولي والفِعْلي، حَتَّى النَّبِيّ ﷺ لم يخرج من مكة إلَّا خائفًا متخفيًا ﵊، حَتَّى أظهره الله ﷿ فاتحًا منصورًا مؤزرًا فإذا تصور الْإِنْسَان إبدال الخَوْف بالأَمْن يجد أن للخوف أثرًا كبيرًا في نفْسِه.
قَوْلهُ: ﴿مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ﴾ قَالَ المُفَسِّر ﵀: [مِنْ الْكُفَّار ﴿أَمْنًا﴾ وَقَدْ أنجَزَ الله وَعْده لهمْ بِمَا ذُكِرَ وَأَثْنَى عَلَيْهِمْ بقَوْلهُ: ﴿يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا﴾] اهـ.
الحمد لله، نعم أنجز الله وعده وقد قَالَ النَّبِيّ ﵊ وهو على باب مكة عام الفتح معلنًا للتوحيد الَّذِي كَانَ يُحارب في مثل ذَلِك المكان، قَالَ: "لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ، أنجَزَ وَعْدَهُ، وَنَصَرَ عَبْدَهُ، وَهَزَمَ الْأَحْزَابَ وَحْدَهُ" (^١)، وقد تحقق - ولله الحمد - فكانت الأصنام في جوف الكَعْبة وحول الكَعْبة، وهَذَا يُنافي تمامًا شهادة أن لا إله إلَّا الله، وقد كَانَ المُسْلِمُونَ منهم من لا يُمَكَّن من البَيْت أو من الصَّلاة حوله، وإذا صلى حوله سُخر منه وأوذي، حَتَّى إن إمامهم محمد ﷺ كَانَ ساجدًا وكان حوله أَبو جهل ومَنْ معه من شرار قريش فقالوا: ألا رجل يأتي بسلا

(^١) أخرجه مسلم، كتاب الحج، باب حجة النَّبِيّ ﷺ، حديث رقم (١٢١٨)؛ عن جابر بن عبد الله.

1 / 361