286

Tafsīr al-ʿUthaymīn: al-Māʾida

تفسير العثيمين: المائدة

Publisher

دار ابن الجوزي للنشر والتوزيع

Edition

الثانية

Publication Year

١٤٣٥ هـ

Publisher Location

المملكة العربية السعودية

فقتل أحدهما الآخر، فبحث القاتل في الأرض ثم دفن الغراب، ولكن ظاهر الآية خلاف ذلك؛ لأن الله يقول: بعث الله غرابًا، ولم يقل: غرابين، والظاهر أن هذا القاتل لقوة ما وقع في نفسه، كأنه ذهل عن هذا الأمر، فبعث الله هذا الغراب يبحث في الأرض، أي: يحرثها حتى يري هذا القاتل ماذا يصنع بأخيه؟
قوله: ﴿لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءَةَ أَخِيهِ﴾ ﴿لِيُرِيَهُ﴾ أي: ليجعله يرى بعينه ﴿كَيْفَ يُوَارِي﴾ كيف يغطي، ﴿سَوْءَةَ أَخِيهِ﴾ أي: عورته؛ لأن الميت كله عورة، ولهذا أمر النبي ﷺ أن يكفن الميت كله لا يخرج منه شيء، إلا من كان محرمًا من الرجال فإنه يجب أن يكشف رأسه، لقوله ﵊: "ولا تخمروا رأسه" (^١)، قال الرجل: ﴿يَاوَيْلَتَا أَعَجَزْتُ﴾ "الويل": هو الثبور والتعب والإعياء، ويقال في كل حال يقع فيها الندم، وأصل ﴿يَاوَيْلَتَا﴾ يا ويلتي، لكن قلبت الياء ألفًا من أجل المد ﴿يَاوَيْلَتَا﴾ تمد عند الصياح، وهنا نادى الويل؛ كأنه يقول: يا ويلتا احضري فإني نادم.
وقوله: ﴿أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ﴾ الاستفهام هنا للتوبيخ، يعني: كيف أعجز أن أكون مثل هذا الغراب؛ لأن بني آدم أكرم من الحيوانات، فصرَّح بأنه عجز أن يساوي أو يماثل الغراب، ﴿فَأُوَارِيَ سَوْءَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ﴾.
وقوله: ﴿فَأُوَارِيَ﴾ منصوبة هنا لأنها جواب الاستفهام، في قوله: ﴿أَعَجَزْتُ﴾.

(^١) رواه البخاري، كتاب الجنائز، باب الكفن في ثوبين، حديث رقم (١٢٠٦)، ومسلم، كتاب الحج، باب ما يفعل بالمحرم إذا مات، حديث رقم (١٢٠٦) عن ابن عباس.

1 / 290