المؤلفة قلوبهم من الأموال شيئًا عظيمًا، وليس يطلب من أحد أي عوض على ما جاء به من الرسالة، واستدل بعض أهل العلم على أنه لا يجوز للإنسان أن يأخذ أجرًا على تعليم العلم بمعنى مؤاجرة، يقول الإنسان: لا أعلمك إلا بكذا وكذا، لكن هذا فيه نظر، لأن النبي ﷺ قال: «إن أحق ما أخذتم عليه أجرًا كتاب الله» (^١) . ﴿أم عندهم الغيب فهم يكتبون﴾ أي: ماغاب عن الناس فهم يحفظونه، والجواب: لا، ليس عندهم علم الغيب، بل إن الرسول ﵊ نفسه لا يعلم شيئًا من الغيب، يكون الشيء في داره لا يعلمه، حتى إنه دخل ذات يوم والبرمة على النار تغلي باللحم، ولم يعلم ما هو، وحتى إن أبا هريرة كان معه فانخنس منه ولم يعلم لأي شيء ذهب، فالحاصل أن الرسول نفسه لا يعلم الغيب، فمن دونه من باب أولى، وقد أمره الله تعالى أن يعلن بأنه لا يعلم الغيب، فقال تعالى: ﴿قل لا أقول لكم عندي خزآئن الله ولا أعلم الغيب ولا أقول لكم إني ملك﴾ .
وهنا يقول تعالى لهؤلاء المكذبين ﴿أم عندهم الغيب فهم يكتبون﴾، والجواب: لا، ثم قال: ﴿أم يريدون كيدًا﴾ يعني أيريد هؤلاء أن يكيدوا لك يا محمد بإبطال دعوتك، وإهلاكك وإماتتك، الجواب: نعم، ولكن كيدهم ليس بشيء بالنسبة إلى كيد الله ﷿، قال الله تعالى: ﴿ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين﴾ . وقد كادوا له أعظم كيد، فإنهم اجتمعوا ماذا يصنعون بمحمد لما رأوا دعوته تنتشر، وأنه لا قبل لهم بردها، اجتمعوا يتشاورون، وذكروا ثلاثة
(^١) أخرجه البخاري، كتاب الطب، باب الشروط في الرقية بفاتحة الكتاب (٥٧٣٧) .