ساحر أو مجنون، ساحر باعتبار تأثيره وبيانه وبلاغته، لأن النبي ﷺ قال: «إن من البيان لسحرًا» (^١) أو مجنون يعني أو قالوا مجنون باعتبار تصرفاته، لأن هذا التصرف في نظر هؤلاء المكذبين جنون، نسأل الله العافية، وفي هذا تسلية للرسول ﵊، لأن الإنسان إذا علم أن غيره أصابه ما أصابه تسلى بذلك، وهان عليه الأمر، ولهذا قالت الخنساء تماضر وهي ترثي أخاها صخرًا:
ولولا كثرة الباكين حولي على إخوانهم لقتلت نفسي
وما يبكون مثل أخي ولكن أسلي النفس عنه بالتأسي
وقد دل لذلك قول الله ﵎: ﴿ولن ينفعكم اليوم إذ ظلمتم أنكم في العذاب مشتركون﴾ . لأن الإنسان إذا شاركه غيره في العذاب هان عليه، لكن يوم القيامة لا ينفع الإنسان أن يشاركه غيره في عقوبته، والمهم أن في هذه الجملة بالنسبة للرسول ﵊ تسلية حتى لا يحزن، فإن ما أصابه قد أصاب غيره، وفيها أيضًا دليل على أن المكذبين للرسل طريقهم واحدة، ولو تباعدت أزمانهم، ولو تباعدت أقطارهم، لأن المجرم أخو المجرم، فالطريقة واحدة، قال الله تعالى: ﴿أتواصوا به﴾ أي بهذا القول ﴿بل هم قوم طاغون﴾ يعني هل هؤلاء المكذبين للرسل الذين اتفقوا على وصف الرسل بأنهم سحرة ومجانين، هل هم تواصوا بذلك؟ يعني هل كل واحد من هؤلاء الأمم كتب وصية إلى الأمم اللاحقة: أن قولوا لأنبيائكم:
(^١) تقدم ص ١١٨ وهو عند البخاري (٥١٤٦) .