359

Tafsīr al-ʿUthaymīn: al-ʿAnkabūt

تفسير العثيمين: العنكبوت

Publisher

مؤسسة الشيخ محمد بن صالح العثيمين الخيرية

Edition

الأولى

Publication Year

١٤٣٦ هـ

Publisher Location

المملكة العربية السعودية

أصحابِ الإمامِ أحمدَ ﵀ دخل عليه وهو مريضٌ، ويَئِنُّ من المرضِ، فقال: يا أبا عبدِ اللَّهِ كيفَ تَئِنُّ وقد رَوى طَاووسُ أن الملائكةَ تَكْتُبُ حتى أَنِينَ المرِيضِ (^١)، فلما قال ذلك كفَّ ﵁ وصارَ يتَحَمَّلُ ولا يَئِنُّ مِن مرضِهِ، مع أن الأنينَ أحيانًا يكون شَيْئًا طَبِيعِيًّا.
والشاهد: أنه يجبُ علينا أن نعتَقِدَ أن اللَّه ﷾ عالمٌ بكُلِّ شيءٍ، وأنه مقدِّرٌ لكلِّ شيء، وأن آجالَ كلِّ شيءٍ مكتوبةٌ، وكُلُّ حركاتِهَا وسكنَاتِهَا مكتوبة، وأنه لا يحدُثُ شيء في الأرضِ ولا في السماء إلا بعِلْمِ اللَّهِ وإرَادتِهِ وخلْقِهِ ﷾.
مسألة: هل مَلَكُ الموتِ يَقْبِضُ أرواحَ الحشراتِ؟
هذا محَلُّ نِزاع بينَ السَّلَفِ، والأدِلَّةُ فيها تكادُ تكونُ متكَافِئَةً، لكن الذي يظهرُ أن قبضَ ملكِ الموتِ للأرْواحِ عامٌّ؛ لأن (مَلك) مضافٌ إلى (الموت) فيُفِيدُ العمومَ، فيَشْمَلُ موتَ كُلِّ حَيوانٍ.
لو قال قائل: قوله ﷾: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ لَا تَحْمِلُ رِزْقَهَا﴾، هل هذا العُمومُ يَشْمَلُ بَنِي آدَمَ؟
فالجواب: لغةً يَشْمَلُ بني آدمَ، لكن لما قال تعالى: ﴿اللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ﴾ عُلِمَ أن المرادَ ما سِوَى بَنِي آدَمَ، أما قوله ﷾: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ [هود: ٦]، فهو عامٌّ لبَنِي آدَمَ وغَيرِهِ.
قوله ﷾: ﴿اللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ﴾ أتى بالجُمْلَةِ الاسمية؛ لأن الجملَةَ الاسْمِيَّةَ تُفِيدُ بأصلِ وَضْعِهَا ثبوتَ الحُكمِ، والرزقُ: بمعنى العطاءِ بلا عِوَضٍ،

(^١) أخرجه ابن عساكر في تاريخ دمشق (٥/ ٣٢٥).

1 / 363