175

Tafsīr al-Qurʾān al-Karīm

تفسير القرآن الكريم

Regions
Egypt
تفسير قوله تعالى: (ومن يرغب عن ملة إبراهيم)
قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ﴾ [البقرة:١٣٠] يعني: لا يرغب عن ملة إبراهيم فيتركها ﴿إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ﴾ [البقرة:١٣٠] يعني: إلا من جهل جهلًا مركبًا أنها مخلوقة لله ﷾ يجب عليها عبادة الله، أو استخف بها وامتهنها، ﴿وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا﴾ [البقرة:١٣٠] أي: اخترناه، (في الدنيا) بالرسالة والخلة، فهو خليل الله تعالى، ﴿وَإِنَّهُ فِي الآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [البقرة:١٣٠]، الذين لهم الدرجات العلى.
﴿إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ﴾ [البقرة:١٣١] يقدر قبل (إذ) واذكر (إذ قال له رب أسلم)، أي: انقد لله وأخلص له دينك، ﴿قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [البقرة:١٣١].
﴿وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة:١٣٢] (ووصى)، وفي قراءة أخرى (وأوصى بها) أي: بملة إبراهيم ﵇، (وأوصى بها إبراهيم بنيه ويعقوب)، ويمكن أن تكون كلمة (بها) تعود على الكلمة التي أشار إليها تعالى في سورة الزخرف: ﴿وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ﴾ [الزخرف:٢٨] (إبراهيم بنيه ويعقوب) يعني: ويعقوب أيضًا أوصى بها بنيه، (يا بني) قال: يا بني (إن الله اصطفى لكم الدين) أي: دين الإسلام، (فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون)، وهذا فيه نهي عن ترك الإسلام، وأمر بالثبات عليه إلى مصادفة الموت.
قوله ﵎: (ومن يرغب عن ملة إبراهيم إلا من سفه نفسه) بين ﵎ ملة إبراهيم ﵇ في قوله ﷿: ﴿قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام:١٦١]؛ فملة إبراهيم ﵇ هي دين الإسلام الذي بعث الله به نبيه محمدًا ﷺ، وكذا أيضًا في قوله ﷿: ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾ [النحل:١٢٣].
وقوله ﷿ هنا: (ومن يرغب عن ملة إبراهيم)، كما قال السيوطي: لا يرغب، فالاستفهام هنا فيه إنكار واستبعاد أن يكون في العقلاء من يرغب عن الحق الواضح الذي هو ملة إبراهيم، وهو ما جاء به محمد ﷺ، لأن محمدًا ﵊ يتبع ملة أبيه إبراهيم ﵇، ولا يمكن أن يوجد إنسان عاقل سوي أريد به الخير يعرض ويترك ملة إبراهيم التي يدعو إليها محمد ﷺ.
والسياق تعريض بمعاندي أهل الكتاب والمشركين، فلا يرغب عن ملته الواضحة الغراء إلا من سفه نفسه، وحمل نفسه على السفه وهو الجهل، وسفه نفسه أبلغ من جهلها، إذ لم يقل تعالى: إلا من جهل نفسه، لكنه قال: (إلا من سفه نفسه)، لماذا؟ لأن الجهل ضربان: جهل بسيط، وجهل مركب، والجهل البسيط هو ألا يكون للإنسان اعتقاد في شيء، والجهل المركب هو أن يعتقد في الحق أنه باطل، ويعتقد في الباطل أنه حق، والسفه أن يعتقد ذلك، أي أن السفه هو عبارة عن النوع المركب من الجهل، فليس هو الجهل البسيط، لكنه النوع المركب من الجهل، فالجهل البسيط لا يعتقد صاحبه شيئًا، أي أنه لا يتخذ موقفًا محددًا، أما الجهل المركب فهو يجهل، ويجهل أنه يجهل، فيعتقد أن الباطل هو الحق، وأن الحق هو الباطل، والسفه أن يعتقد هذه العقيدة الباطلة ويرى الحق باطلًا والباطل حقًا، ثم هو في سلوكه العملي وفعله وتصرفه يتحرى الفعل بمقتضى ما اعتقده، فيدافع عن الآلهة الباطلة، ويضحي في سبيلها، ويدعو إليها بهمة ونشاط! هذا هو السفه.
فبين تعالى أن من رغب عن ملة إبراهيم فإن ذلك لسفه نفسه، وذلك أعظم مذمة، فهو مبدأ كل نقيصة، وذلك أن من جهل نفسه جهل أنه مصنوع، جهل أنه مخلوق، وإذا جهل كونه مصنوعًا جهل صانعه، كما نلاحظ ذلك جليًا ظاهرًا في الكفار، فهو يجهل أنه مخلوق، ثم هو ينكر خالقه ﵎، وإذا لم يعلم أن له صانعًا فكيف يعرف أمره ونهيه وهو أصلًا لا يعتقد وجود الله؟! وكيف يتحرى أمرًا أو نهيًا لله ﵎؟! وكيف يرى الأشياء ويحكم بقبحها وحسنها؟! ولكون معرفة النفس ذريعة إلى معرفة الخالق جل ثناؤه، قال ﵎: ﴿وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ﴾ [الذاريات:٢١] لماذا؟ لأننا إذا عرفنا أنفسنا وأبصرنا في أنفسنا وتدبرنا آيات الله ﷾ في خلقنا وأنفسنا؛ فإن ذلك يدلنا على خالقنا وفاطرنا ﷾، فالتبصر بأحوال النفس يبصرنا بخالقها، وهذه من آيات الله ﷾، وقال ﷿: ﴿وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ﴾ [الحشر:١٩]، فهذا معنى قوله تعالى: (ومن يرغب عن ملة إبراهيم إلا من سفه نفسه).

10 / 19