161

Tafsīr al-Qurʾān al-Karīm

تفسير القرآن الكريم

Regions
Egypt
عهد الله بالإمامة لإبراهيم ولذريته
قوله تعالى: ﴿قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا﴾ [البقرة:١٢٤].
(قال) هذه جملة مستأنفة وقعت جوابًا عن سؤال مقدر بعد الكلام، يعني: إذا كان إبراهيم ﵇ أتم هذه الكلمات وامتثل هذه الشرائع التي كلفه الله ﷾ بها، (فأتمهن) كأنه قيل: فما جوزي على شكره؟ ما جوزي على هذه التوفية؟ قيل: قال له ربه: (إني جاعلك للناس إمامًا)؛ فشكر الله بذلك صنيعه بإتمام هؤلاء الكلمات، ومعنى (إمامًا) أي: قدوة لمن بعدك، والإمام اسم لمن يؤتم به، ولم يبعث نبي بعد إبراهيم إلا كان مأمورًا باتباع ملته، فهو أبو الأنبياء جميعًا، وكان هؤلاء الأنبياء جميعًا من ذريته، كما قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ﴾ [العنكبوت:٢٧].
(قال ومن ذريتي) إما أن يكون المراد: أن إبراهيم ﵇ قال: (ومن ذريتي) يعني واجعل من ذريتي أئمة، وهذا حب الإمامة، وهناك فرق بينه وبين حب الرئاسة في الدين، والزعامة والظهور، فإن حب الإمامة إنما هو لخدمة الدين وللبذل في سبيله، والتمكن من إقامة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أما التنازل عن الرياسة طلبًا للظهور في الدنيا فهذا من الدنيا وليس من الدين، ولذلك ذكر الله ﷾ لنا في دعاء عباد الرحمن: أنهم يدعون الله ﵎ بسؤال وطلب الإمامة أيضًا، قال سبحانه: ﴿وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾ [الفرقان:٧٤] يعني: اجعلنا نأتم بمن قبلنا، فنصلح لأن يأتم بنا من بعدنا.
﴿قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي﴾ [البقرة:١٢٤] أي: واجعل من ذريتي أيضًا أئمة كما جعلتني إمامًا، قال: ﴿لا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة:١٢٤] قال: قد أجبتك وعاهدتك أن أحسن إلى ذريتك، ولكن لا ينال عهدي الذي عهدته إليك بالإمامة الظالمين من هذه الذرية، وهذه إشارة إلى أن الله ﷾ علم أن من ذرية إبراهيم ﵇ ظالمين؛ لأن الله ﷾ بين في مواضع أخر أن منهم ظالمًا وغير ظالم، وذلك في قوله ﷿: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ وَظَالِمٌ لِنَفْسِهِ مُبِينٌ﴾ [الصافات:١١٣]، وقال أيضًا: ﴿وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الزخرف:٢٨].
وعلى التفسير الآخر قوله: (ومن ذريتي) كأنها على الاستفاهم، يعني وذريتي كيف يكون الحال منهم؟ فأتى الجواب (لا ينال عهدي الظالمين) ولا تعارض، فقوله: (لا ينال عهدي) أي: بالإمامة الظالمين.
وقد اختلف العلماء في المراد بالعهد هنا، فأصح الأقوال: أن العهد هنا هو الإمامة، وقيل: الرحمة، والدين، والنبوة، والأمان، والميثاق، وأصحها: الإمامة في الدين؛ لإن هؤلاء الظالمين هم من ذريتك، وهم أبناء صلبك، ومن ذريتك من ناحية النسل، أما من ناحية الدين فإنهم بظلمهم وكفرهم وانحرافهم قد انتفت عنهم أبوتك إياهم، فليسوا أبناءك في الدين، وإن كانوا أبناءك من ذريتك، تمامًا كما قال الله ﷿ في حق نوح ﵇: ﴿وَنَادَى نُوحٌ رَبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ * قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ﴾ [هود:٤٥ - ٤٦] وفي قراءة: (إنه ليس من أهلك إنه عَمِلَ غير صالح)، وهو قطعًا من صلبه، ولكن ليس على دينك، وليس من المؤمنين الذين وعدتك بإنجائهم، فهؤلاء -يا إبراهيم- ليسوا من أبنائك في الدين وإن كانوا من نسلك وذريتك.
وفي قوله: (لا ينال عهدي الظالمين) إجابة خفية لدعوته ﵇، ووعد إجمالي منه تعالى بتشريك بعض ذريته بنيل عهد الإمامة، يفهم منها: أن من ذريته فعلًا من سينال الإمامة، أما الظالمون منهم الذين ليسوا أبناءه في الدين فلن ينالوا هذه الإمامة، كما قال تعالى: (وجعلنا في ذريته النبوة والكتاب)، وفي ذلك أتم ترغيب في التخلق بوفائه، يعني: إن كنتم يا عرب أو يا يهود أو يا نصارى تزعمون أن أباكم إبراهيم ﵇، فإن كنتم من الظالمين الذين انحرفوا عن ملته فلن تكونوا أئمة في الدين، فتخلقوا بأخلاقه، ووفوا بالذي وفى به حتى تكونوا على طريقته عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام.
فهذه إشارة إلى أنهم إن شكروا أبقى رفعتهم كما أدام رفعته، وإن ظلموا لم تنلهم دعوته، فضربت عليهم الذلة وما معها، لا يجزي أحد عنهم شيئًا ولا هم ينصرون.

10 / 5