160

Tafsīr al-Qurʾān al-Karīm

تفسير القرآن الكريم

Regions
Egypt
ابتلاء الله لإبراهيم وتوفيته بما ابتلي به
الابتلاء في الأصل الاختبار، (وإذ ابتلى) يعني اختبر، أي: تطلب الخبرة بحال المختبر بتعريضه لأمر يشق عليه غالبًا فعله أو تركه، هذا هو تعريف كلمة الابتلاء أو الاختبار.
والاختبار تطلب الخبر بحال المختبر بتعريضه لأمر يشق عليه غالبًا فعله أو تركه، والاختبار إذا وقع من مخلوق في حق مخلوق فإنما يختبره ليظهر له ما لا يعلمه من حاله، وهو من الله لإظهار ما قد علم، فالله ﷾ حينما يقول: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الملك:٢] (لنبلوكم) أو (ليبلوكم) أو ما شابه ذلك من الكلمات فإنما المقصود من هذا الابتلاء، مثل قوله: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ﴾ [محمد:٣١] حتى نعلم علم شهادة وإظهار بعدما علمناه علم غيب، فإنه بلا شك وقطعًا أن الله ﷾ يعلم هذه الأشياء قبل وقوعها، وإنما يبتلي العباد ليعلم علم شهادة بعد وقوعها في عالم الواقع، فالاختبار من الله لإظهار ما قد علم، وعاقبة الابتلاء: ظهور الأمر الخفي في الشاهد والغائب جميعًا، فلذا تجوز إضافة الابتلاء إلى الله ﷾، كما قال الله: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ﴾ [البقرة:١٢٤] يعني: بشرائع وأوامر ونواه، وقوله (كلمات) يرجع تحقيقها إلى كلام الباري ﵎، يعني أن الكلمات هي كلمات الله، وكلام الله الذي تكلم الله ﷾ به، لكنه عبر عنها عن الوظائف التي كلفها إبراهيم ﵇، ولما كان تكليفها بالكلام سميت به، كما سمي عيسى كلمة؛ لأنه صدر عن كلمة (كن) فهذا من باب تسمية الشيء بمقدمته، يعني عيسى ﵇ خلق بكلمة: (كن) فلما خلق بكلمة (كن) التي هي مقدمة خلقه سمي كلمة الله من باب تسمية الشيء بمقدمته، كما قال سبحانه: ﴿وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ﴾ [النساء:١٧١] كذلك أيضًا هنا (بكلمات) أي: كلام الله؛ لأن تكليف إبراهيم ﵇ إنما تم بكلام الله، فتكلم الله مكلفًا جبريل أن يبلغ إبراهيم ﵇ أحكامًا معينة: أوامر ونواهي، وشرائع، فتكلم الله بها فأوحاها جبريل إلى إبراهيم ﵇، فلذلك سماها كلمات، وللمفسرين أقاويل فيها وفي تعدادها.
قال ابن جرير: ولا يجوز الجزم بشيء مما ذكروه منها أنه المراد على التعيين إلا لحديث أو إجماع، ويرجح الفاطمي فيقول: وعندي أن الأقرب في معنى الكلمات هو ابتلاؤه بالإسلام؛ فأسلم لرب العالمين، وابتلاؤه بالهجرة؛ فخرج من بلاده وقومه حتى لحق بالشام مهاجرًا إلى الله، وابتلاؤه بالنار؛ فصبر عليها، ثم ابتلاؤه بالختان، فصبر عليه، ثم ابتلاؤه بذبح ابنه فسلم واحتسب كما يؤخذ ذلك من تتبع سيرته في التنزيل العزيز وسفر التكوين من التوراة، ففيهما بيان ما ذكرنا في شأنه ﵊ من قيامه بتلك الكلمات حق القيام، وتوفيتهن أحسن الوفاء، وهذا معنى قوله تعالى: (فأتمهن) وهذا كقوله تعالى: ﴿وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى﴾ [النجم:٣٧] أي: بالإسلام، أسلم ووفى؛ لأن الإسلام هو التوفية، فهنا عبر بقوله: (فأتمهن)، وفي الآية الأخرى قال: (وإبراهيم الذي وفى)، ووفى تساوي تمام الكلمة (فأتمهن) عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام.

10 / 4