Ṭabaqāt al-Shāfiʿiyya liʾl-Isnawī
طبقات الشافعية للإسنوي
ولد بالموصل، ليلة العاشر من شهر رمضان، سنة تسع وثلاثين وخمسمائة.
ومات أبوه وهو صغير، فنشأ عند أخواله بني شداد، فنسب إليهم، وشداد جده لأمه، وحفظ القرآن بالموصل، وقرأ بالسبع، وقرأ كثيرا من كتب القراءات والتفسير، والحديث وشروحه، وسمعها على الشيوخ، وقرأ الفقه على أبي البركات بن الشيرجي المذكور قريبا، واشتغل بالخلاف على سبط محمد بن يحيى تلميذ الغزالي، وعلى غيره أيضا ثم انحدر إلى بغداد بعد التأهل التام، ونزل بالمدرسة النظامية وتولى الإعادة بها بعد وصوله بقليل، فأقام بها نحو أربع سنين، ثم عاد إلى الموصل وولي التدريس بها وانتفع به جماعة، وصنف في القضاء كتابا سماه «ملجأ الحكام عند التباس الأحكام» وكتابا في الحديث سماه «دلائل الأحكام» وكتابا في الفقه، وسيرة السلطان صلاح الدين، ثم حج في سنة ثلاث وثمانين وخمسمائة، وزار القدس والخليل ثم دخل دمشق، فطلبه صلاح الدين، وسمع عليه شيئا من الحديث، وكان في عزمه العود إلى الموصل، فقرره صلاح الدين عنده، ثم ولاه قضاء العسكر والقدس الشريف، ثم تولى قضاء حلب بعد موت صلاح الدين، وحل عند صاحبها الظاهر في رتبة الوزارة والمشاورة، ولم يكن لأحد معه حل ولا ربط، وقرر له اقطاعا كبيرا فاعتنى ابن شداد بأمر أوقاف حلب، وأمر الطلبة وجمعهم عليه، فقصده الفقهاء من كل ناحية، وعمرت في أيامه مدارس وأنشأ هو من ماله مدرسة، ودار حديث، ورباطا للصوفية، فإن دخله كان كثيرا، ولم يكن له ولد ولا أقارب، ولا سيما بعد موت الظاهر، فإن ولده العزيز قد أقاموه مقامه، وكان صغيرا تحت حجر أتابكه الطواشي شهاب الدين، وكان لا يخرج عنهما شىء من الأمور، وكان للفقهاء في أيامه حرمة تامة، خصوصا أهل مدرسته فإنهم كانوا يحضرون مجلس السلطان، ويفطرون على سماطه في شهر رمضان، وكان قد غلبه الكبر والهرم حتى لا يقدر على الحركة للصلاة إلا بمعين، ومع ذلك كان حسن المحاضرة، جميل المذاكرة، وكان كثيرا ما ينشد:
Page 29