Ṭabaqāt al-mashāyikh biʾl-Maghrib
طبقات المشايخ بالمغرب
وحدث جماعة من أصحابنا أن علي بن يخلف سافر إلى غانة سنة خمس وسبعين وخمسمائة، فانتهى إلى مدينة »مالي« فأكرمه ملكها غاية الإكرام، وكان هذا الملك مشركا وتحته مملكة عظيمة كل أهلها مشركون، وتحته اثنا عشر معدنا يستخرج منها الذهب التبر، فكان الملك قلما يجلس مجلسا إلا أجلسه معه إكراما له، وكان يتعجب من خلقه وخلقه، وكثرة عبادته ومحافظته على دينه، حتى عقد النية على الانفصال، وقد قضى حاجته، وكان ذلك في سنة قحط شديد فشكت الرعية ما أصابهم إلى ملكهم، فأمرهم بالاستسقاء فجعلوا يستسقون ويتقربون بقربانهم التي يعتادونها في ملتهم، وذبحوا أنواع الحيوان من البقر والغنم والحمير، حتى الأناسي والسنانير، فلم يسقوا، فقال الملك: لعلي ألا تدعو إلهك الذي تعبده أن يسقينا؟« فقال له: لا يسعني ذلك وأنتم تكفرون به وتعصونه، وتعبدون غيره، فإن آمنتم به وأطعتموه فعلت ذلك ورجوت أن يسقيكم، فقال له الملك: علمني الإسلام وفرائضه حتى أتابعك عليه، وتستقي لنا، فعلمه كيف يقر بالشهادتين فعلمهما، ثم قال اصحبني إلى نهر النيل ففعل، فعلمه كيف يتطهر فتطهر، ولبس ثيابا طاهرة ورقى به ربوة فوق النيل(1) فعلمه الصلاة فصلى، ثم قال إن أنا صليت فافعل ما تراني أفعل، وإذا دعوت فقل آمين، فباتا ليلتهما في عبادتهما وضراعة إلى الله عز وجل، فلما كان بعد صلاة الصبح أنشأ الله سبحانه سحابة فما حاولا الانحدار من الربوة حتى حالت السيول بينهما وبين المدينة، فجاءهما زورق في النيل، فركبا حتى دخلا المدينة ودامت السحابة سبعا غير مقلعة تسيح ليلا ونهارا، فزادت المؤمن إيمانا واستدعت إيمان الكافر، فلما رأى الملك صنع الله تعالى دعا جميع أهل بيته إلى الإسلام، فأجابوا ثم دعا أهل المدينة فقالوا: نحن عبيدك فأجابوا، ثم دعا من دنا من المدينة من رعيته فأجاب أكثرهم ثم دعا الأقصين فقالوا: نحن عبيدك ولك منا الطاعة وتتركنا على ما ألفينا عليه آباءنا فسمح لهم، ثم حكم بأن المدينة لا يدخلها إلا من آمن بالله ورسوله ومتى رؤي فيها كافر قتل، ثم قال له: علمني القرآن وشرائع الإسلام فجعل يعلمه حتى تعلم جملة ينتفع بها، فبينما هو عنده في ذلك إذ ورد عليه كتاب أبيه يستدعي منه المجيء ويحجر عليه في الإقامة، فقال للملك: أعلم أني على السفر فقال: لا يحل لك أن تتركنا نعود إلى العمى بعد أن أبصرتنا دين الهدى، فقال أعلم أن من فرائض هذا الدين إبرار الوالدين وقد حجر علي والدي المقام، وهذا كتابه فلما رأى جده أحسن منقلبه وانفصل، وبقوا على الإسلام والحمد لله رب العالمين.
ومن عجائب ما يحكى أن يخلف بن يخلف وجماعة من أصحابه صلوا صلاة الصبح بمسجد ربض نفطة فقرءوا ما شاء الله وختموا، وذلك في يوم من أيام الشتاء فقال لهم على وجه الدعابة، والبسط والدلال: من يغدينا اليوم ونوليه الإمارة على أنفسنا؟ أومأ إلى موسى بن الياس المزاتي، فقال أنا أغديكم، وأكون أميركم، وكان قريب عهد بالقدوم من البادية وقد صحبه من غلة غنمه ما يجهز به غداءهم فقام فاحتفل لهم بالغداء، فلما أكلوا ودعوا بالبركة، قال له الشيخ يخلف: أما إمارتك فلا تمكن فإنك واحد منا، ولكن إن شاء الله سيولد لك ولد من الحمل الذي عندكم، وتسميه أفلح على اسم إمام المسلمين، ونرجوا أن يكون عنده غنى وتكون فيه بركة إن شاء الله قال رواة هذا الحديث فقدر أن ولد له ولد من ذلك الحمل، هذا الشيخ المبارك أبو سعيد أفلح، فسرت فيه همة الشيخ يخلف وأصحابه، فكان آمرا بالمعروف ناهيا عن المنكر مطاعا متبعا في كل ما تقدم فيه من أفعال الخير، فهذا أمر شاهدناه عيانا، ألا ترى أن ذلك بفضل الله ثم بركة الشيخ وأصحابه؟.
---------------------------
1- لعله يقصد نهرا من أنهار غانا كنهر النيجر مثلا لا النيل المعروف.
Page 292