Ṭabaqāt al-mashāyikh biʾl-Maghrib
طبقات المشايخ بالمغرب
وقوع الشيخ والركب الذي معه في ضائقة عند رجوعهم من الحج وحدثني أبو الربيع عن أبيه قال: لما قفلنا من أرض الحجاز بعد قضاء الحج ووصلنا الإسكندرية وقد قل ما بأيدينا فأجمع الرأي على الخروج من زي هؤلاء المشاة، لأنا لا نقدر على ركوب البحر، ولا نجد ما نشتري به أبعرة، فنحمل عليها، فاقتضى نظر الشيخ أن اشترينا بثمن ما بعناه من ثيابنا ومن فضلة ما بأيدينا سقط المتاع كالإبر والمسلات وما خف من عطر، ثم خرجنا متوجهين إلى المغرب ونحن نسير في قبائل الأعراب كل يوم، فإذا كان في آخر النهار بعنا فيما والانا من الأحياء بما نقتات به من ذلك السقط، فما خرجنا من برقة إلا وقد نفذ الزاد، وانقطع الأحياء من طريقنا، وليس لنا رفيق ولا دليل إلا الله تعالى، وقال لنا الشيخ يخلف: توكلوا على الله واستخيروه وسيروا، قال: فسرنا في مهامه لا شيء فيها، فربما وجدنا من المباح ما نقتات به مما تنبت الأرض، وسلكنا جرزا لا نبات بها وليست بمسلك معتاد لسالك، فسرنا يومين أو ثلاثة، وليس منا من ذاق طعاما، فلما كان في ضحى الثالث أو الرابع قام أمامنا شيء لونه مخالف للون الحمرة، فتيممناه حتى وقفنا عليه، فإذا هو لبنة من جبن عجيب، قال العزابة: ما ترى في هذا؟ فقال الشيخ يخلف: ما هذه بأرض عمارة، ولا بطريق فنقول لعل له ربا، وما هذه إلا كرامة أكرمكم الله بها، فاقبلوا كرامته، ثم تناول ذلك الجبن فقسمه بخنجر كان عنده على عددنا، ثم تقدم يقطع الأرض، ونحن نتبعه، وقد اقتات كل واحد منا بنصيبه، ثم تمادينا نجد السير إلى الغد، وقد كدنا نهلك جوعا فشكونا إليه ما أصابنا فأخرج من جيبه ما كان أخذ بالأمس فإذا هو لم يذقه، فقسمه على عددنا وأكل معنا سهمه من هذه القسمة الثانية، ثم سرنا غير طويل فلطف الله بنا ووصلنا ما والانا من البلاد على أحسن حال، والحمد لله.
Page 289