369

Ṭabaqāt al-mashāyikh biʾl-Maghrib

طبقات المشايخ بالمغرب

حدث أبو الربيع عن أبيه قال حججنا وقفلنا إلى بلادنا فتشبث رجال من أصحابنا من نفوسة الجبل بشيخنا يخلف -رحمه الله- ، فلما وصلنا حيز طرابلس رغبوا إليه كل الرغبة في أن يصحبهم إلى بلدهم، ليبين حدودا جهلوا في نسبهم ونشبهم، ورجوا أن يجدوا عند حفظ ما يخلصهم في دينهم ومذهبهم، قال فأجاب رغبتهم وأذن لنا في التقدم عنه، فودعناه وتقدمنا، فلما فارقته وجدت من الوحشة لفراقه أضعاف ما كنت وجدت من التأنس به، فكنت المطلق المسجون، والمؤالف الشجون، فما راقني من لقيت بعده حتى قدمت على الشيخ سليمان بن داود -رحمه الله- وذلك بمنزله "بتونين" قال فلما لقيته لقيت شيخا جليلا عظيم القدر، متناهيا في الصلاح ووجدت منه تأنيسا وأفادة، حتى سلوت عن كل هم، وكان مما حفظت عنه عند التسليم أني قلت: أدع، فقال: بل أدع أنت، ففي الأثر "استقبلوا الحاج واستدبروا الغازي" وحضرت الصلاة وهي رباعية وأظنها صلاة الظهر، قال: فأقام الصلاة وقدمني، فقلت: إني مسافر، فقال لي: اعتقد الإقامة هنالك، وصل بنا، فامتنعت منه كل الامتناع، فقال: ساعد، فما من ذلك بد، قال: فلما قضيت الصلاة وحضرنا طعامه أوتي بزجاجه فيها شراب، فعرض علي الشراب فامتنعت فلم يكرر علي، وشرب هو، وقال هذا شراب حلاب أقتات به، إذ لا أقدر على الطعام لضعفي، ولما أكلنا تناول بإصبعه من الفضلة، فقال آكل هذا تبركا وإن كنت لا أقدر عليه.

Page 279