331

Ṭabaqāt al-mashāyikh biʾl-Maghrib

طبقات المشايخ بالمغرب

ذكروا أن أبا العباس أحمد الوليلي طلع سنة من السنين إلى جبل بني مصعب، في أيام الربيع، فصادفه هنالك شهر رمضان فلازم ربوة (1) يتعبد فيها عاكفا على القيام والصيام فلما كان في الليلة السابعة والعشرين من رمضان وكانت ليلة جمعة أقبل على ركوعه وسجوده، فبينما هو كذلك إذ رأى كل شيء معه ساجدا، فلما سلم رأى نورا ساطعا وأبواب السماء مفتحة، وإذا بحورتين(2) قد نزلتا من السماء فقصدتا نحوه وقد التفتا في لحاف واحد، إحداهما كبيرة والأخرى دونها صغيرة لم يرى مثل صورتهما ولا مثل نورهما الذي أضاء البر، فقعدتا أمامه والصغيرة خلف الكبيرة، فخاطبتاه وجرى بينهما كلام، حتى أعلمتاه أنهما زوجتاه في الجنة، فحاول الدنو منهما فقالت له الكبرى: إليك، إليك عنا، فإن فيك نتن الدنيا، ولكن الميعاد بيننا وبينك في العام القابل ليلة الجمعة كدية الطبل من تينسلمان، وهو منزل أبي العباس قال: فصعدتا ثم اتبعتهما ببصري حتى غابتا في السماء، وغلقت الأبواب دونها فسار أبو العباس بأثر ذلك إلى وارجلان فأخبر بعض الشيوخ بما عاين فلما دنا الوقت جاء إلى أريغ فمر بالشيخ أبي العباس ابن محمد بتينيسلا فرغب إليه هو والعزابة في المبيت، فأبى وجاء إلى أبي العباس وأخبره أن الميعاد بينه وبين الحور العين ليلة الجمعة المقبلة، فقال لهم أبو العباس: دعوه فإن الدولة عنده الليلة المقبلة، فتوجه إلى الرملة فإذا الحورتان كاسفتا اللون كأن بهما كآبة، وكان أبو العباس إذا وصفهما يقول كأن العين منهما كالقدح، والاشفار كجناح النسر، وارنبتيهما كناحية قصر بني يخلف، فسألهما عن تغيرهما فقالت: لبوحك بسرنا، ولأن أولياء الله يقتلون على أمرهم بالحق، وذلك حين قتل عبد الحميد الوليلي، واستخف بأهل دين الله وماكسن بن الخير يرجم بالحجارة لأمره بالقسط، قيل: وقد ذكرت له ألا بدال حينئذ ، إن إبدال وقتهم سبعة: عبدالله بن يحيى وإبراهيم بن إسماعيل وإبراهيم بن معاذ ويحيى بن عيسى والنعيم بن الولي، وقيل سليمان بن عبدالله، وصالح بن محمد، وقيل يوسف بن ونماواي، وقيل عبدالله بن يعقوب، وهؤلاء كلهم رجال صالحون، ثم قالت له ليلة الاثنين تبيت عندنا وصعدتا إلى السماء، فلما صلى صلاة الظهر يوم الأحد بعد أن ودع أهله وقضى جميع ما أراد قضاءه موقنا بما لا بدله منه، فقال لهم: أحسست صداعا فما هو إلا أن صلى العصر فمات --رحمه الله- -.

-----------------------------

1- وتعرف الربوة الآن في ميزاب بجبل أبي العباس ومصلاه فيها معروف يقصد للدعاء والتبرك.

2- هكذا ثناها الشيخ رحمه الله وإلا فالقياس حوراوين.

أبو زكرياء يحيى وأخوه زكرياء

ومنهم أبو زكرياء يحيى بن أبي بكر، وأخوه أبو يحيى زكرياء -رحمهما الله- كانا من الأفاضل المقتفين آثار الأوائل، لم تزل نفس الديانة بحياتهما حية، وطرق البر ناهجة والصلاحية وطلب علوم المذهب، وسير من تنسك أو ترهب، ولهما في علوم النظر أطول باع، بأدلة ذات إقناع وحجج تملأ القلوب والأسماع، وتغني عند المحاضرة ما لا تغني المشرفية عند القراع فكانا مراد الفارين على تباعد الدارين.

ما عليه أهل وارجلان في عهد الشيخ أبي يحيى

ذكروا أن أبا يحيى زكرياء بن أبي بكر توجه ذات سنة إلى وارجلان زائرا، ثم رجع فمر بجماعة من أصحابه بقنطرار، فسألوه عن أحوال أهل وارجلان وكان ذا فطنة وبصيرة، فقال: أما أنا ذهب بصري فلا أرى شيئا، ولا رأيت أحدا، وأما وارجلان خلت فما بها أحد.

وحكي أن أهل وارجلان قالوا له حين وصل إليهم: أقم عندنا قليلا نتآنس بك، فقال لهم: قالوا أقم عندنا قليلا يمت قلبك، وذلك لما اطلع عليه من سوء طريقتهم، ورداءة أحوالهم(1).

Page 233