204

Ṭabaqāt al-mashāyikh biʾl-Maghrib

طبقات المشايخ بالمغرب

منزو بنت باثمان وأمنيتها المتعبة وكانت المتمنية البعل السوء العشرة، منزو بنت باثمان فأنكح باثمان بنته رجل من قومه مزاتيا، فلما تزوجها ركب على جمل له ومضى، حتى مر بنساء على ماء فقال: إن كانت منزو فيكن فأنى لا آذن لها في المقام بعدي، وكانت فيهن فقامت فأخذت ردائها فارتدت وسارت في اثر بعلها حافيه، راجلة، فمشت حتى وجيت"2" ، فصارت إذا رفعت قدما إذ الدم في موضع القدم، إلى أن ينزلا فإذا نزلا قامت وابتدرته بردائها فوسدته، فكان ذلك حاله وحالها حتى وصلا وطنه، فبنى لها بيتا بنبذة عن الناس، فكن يسيء إليها وتحسن، ثم تزوج عليها امرأة فكان ما تلقاه ابنة الشيخ من سوء العشرة في زيادة، وكان الذي يبدو منها من الإحسان والصبر في زيادة، فلما كان ذات يوم إذا قافلة لأهل جادوا قد مرت بها، فتكلمت بكلام له وزن في غناء البربر، وترجمته( ألا أحد يزورني في الله فيذهب غم النفوس، ويزيل الوحشة؟) فوقع كلامها في مسامع بعض أهل القافلة فحدوا بها جمالهم، حتى وصلوا جادوا، وتذاكروا كلامها، ففطن بذلك أبو زكرياء يحيى ابن يونس السدراتى، فعلم أنه كلام بنت الشيخ فمشوا في جماعة من المشائخ يندبهم إلى زيارتها، حتى تيسر له مراده من ذلك، فخرج إليها المشائخ، ومعهم باثمان، حتى وصلوا إليها فوجدوها منفصلة في قميص تصلح خيمتها، خارجا من الخيمة فقال لها أبو زكرياء: إني لأختار أن أجد جنازتك خارجا ولا أراك على هذا الحال واستتابها، فتابت مما كان منها، ومكثوا عندها ثلاثا فأرادوا الانصراف، فرغبت إليهم في إقامة ثلاثة أيام أخرى، ففعلوا فلما مضت ست ليال، وأرادوا الانفصال واجتمعوا لوداعها قالت لأبي زكرياء:: انصب لي هاهنا قدمك لأذكركم بها، وتذهب عني الوحشة، ففعل، فأكفأت عليها قدحا، فقالت له: أزلت عني الوحشة وعلمتني العلم يا سدراتى، لا عطشت يوم المرورات، فقال لها: لا تقولي يوم المرورات بل قولي يوم الشدائد، لان المرورات المفاوز في الدنيا، - والشدائد - ما يكون في الآخرة، ثم قال باثمان: يا بنتي سبق القضاء بان أنكحتك من لا أحبه ولا تحبينه، فعاملك بما أرى فلا تجزعي، ولكن اصبري فإني أرجو الله أن لا تنصرم عشرة أيام إلا ويموت من يموت، ويفرج الله عليك، وينقطع عنك النصب، وهذا القول بكلام بربري موزون أيضا، قال فودعوها ومضوا، قيل: فلما كان العاشر من يوم وداعها أورد بعلها ابله على بئر لهم، فجعلوا يمتحون ويسقون حتى انقطع الرشاء وسقط الدلو في البئر، فهم أحد عبيده بالنزول إلى الدلو، فأبى إلا أن يكون هو الذي ينزل، وذلك لما سبق في علم الله، فنزل وشدها، ثم قال لهم: ارفعوني فرفعوه إلى أن حادى بحفير في البئر، فإذا حنش عظيم قد رصد له، فقال أيضا: أنزلوني فأنزلوه فلم يزل حاله: أنزلوني، ارفعوني حتى أيقن بالهلاك وقال لهم: ارفعوني فلما قابل مكان الحنش أخذه وجذبه إلى غاره، فما سمعوا إلا تضعضع عظامه، وكفى الله المؤمنين القتال.

وقد ذكر الشيخ أبو نوح: أنه حين جلبها يسيران نهارهما، فإذا نزلا قامت من حينها فعالجت العشاء بنفسها وأصلحت جميع شؤونها، ثم قامت إلى التهجد فلا تزال راكعة ساجدة إلى طلوع الفجر فتصلي الصبح فكان هذا دأبها إلى أن وصلت منزل بعلها.

Page 105