Ṭabaqāt al-mashāyikh biʾl-Maghrib
طبقات المشايخ بالمغرب
يذم البادية لأنه لا يتمكن فيها من الطهارة حدث جماعة من المشائخ أن أبا مهاصر خرج سنة من السنين إلى البادية في أوان الربيع، هو وعمروس بن فتح - رحمهما الله - فلبثا أياما على غير ماء في برية من الأرض، لا يجدون ما يتوضأون به، إنما كانوا إذا حضرت الصلاة تيمموا وصلوا، وتكدر خاطر أبي مهاصر لذلك حتى قال ذاما لهذه الحال: قلوب تربو عليها الشحوم مما سمنت، ووجوه تعلوها الغبرة، قلت: سلامة الدين مع أهل الوبر، إنما الدين في المدر، والله لا يجمل بنا أن نترك الدين لإتباع شهواتنا، وإني لأخاف أن أكون ممن عاب الله عز وجل، فقال فيهم: ( أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات فسوف يلقون غيا )(مريم: من الآية59) فرد عليه عمروس بأن قال له: ليس في ذلك ما تخافه فقد أباح الله التيمم عند الضرورة، فأبان ذلك في كتابه وعلى لسان نبيه صلى الله عليه وسلم، وذلك في ابتغاء الفضل، وقطع الفيافي المجاهل من الأرض، وقال: (وابتغوا من فضل الله ) (الجمعة: من الآية10) وقال: (عابري سبيل ) (النساء: من الآية43) وقال: (فلم تجدوا ماء ) (النساء: من الآية43) فلن يقنع ذلك جميعا أبا مهاصر بل ارتحل راجعا إلى منزله، قيل وأنه استصحب معه من الزبد وغيره ما يتحف به أهل منزله، فلما وصل جعل يهدي إلى كل دار من ديار قريته ما أمكن، حتى لم يبق بقريته أحد إلا وقد قات من ذلك قدر له، حتى يهودي ضعيف كان معهم ساكنا، فأناله من ذلك، وقال اليهودي: وأنا أيضا لم ينسني اللهم لا تنسه من رحمتك برحمتك، فقال عند ذلك: وهذا ما أردته منك يا يهودي يعنى الدعاء، قلت: ولعله أراد ما يعطفه ويلين، فيدخل الإسلام، وإلا فمثل أبي مهاصر لا يجهل قوله تعالى: (لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله )(المجادلة: من الآية22) قيل وجمع أبو مهاصر من الصبيان فأعطاهم حتى هرة كانت معهم، وقد قيل جروة فدعا له الصبيان ربهم، ولقد شوهدت الهرة عند اختلافهم وهم في الدعاء شائلة يدها معهم كهيئة الداعي إلى الله تعالى فيما ذكروه ، فقال من شاهد ما شاهد: أن الله خلق الرأفة والرحمة وأسكنها قلوب المؤمنين، وخلق القسوة والجفوة وأسكنها قلوب الكافرين، وجواب أبي مهاصر قد حكي مثله عن أبي مسعود رضى الله عنه.
لم تضحكون ممن أتاني وقد أقامت عليكم الحجة؟
وحدث الشيخ أبو نوح عن غير واحد أن أبا مهاصر كانت له أتان حج عليها سبع مرات، وعادته إذا خرج متوجها إلى الحج، سار حتى إذا وصل مصلى له كان يتعود الركوع فيه، فيقف هناك يدعو الله، فتنهق الأتان هناك نهقة، فنهيقها يعرفه أهل قريته بانفصاله، ثم لا تنهق حتى يعود، فإذا عاد ووقف بذلك المصلى يصلي، فيدعو فتنهق أيضا، فيعرف أهل قريته أنه قد رجع فيضحك عوامهم وجهالهم، ويقولون: أتسمعون أتانه نهقت؟ فيقول لهم أبو مهاصر: لم تضحكون عليها وقد أقامت عليكم الحجة، وانقطع عذركم في استطاعة السبيل؟ وذكر أن أبا مهاصر خرج ذات مرة في بعض شؤونه فمر بغزاله ترضع طلاها فلما رأته ذعرت، وفرت، وعزلت طلاها، فقال لها أنا أبو مهاصر، ارجعي إلى ولدك، فرجعت، وذكر أنه سمع نقنقة ضفدعة فنزل إليها فوجد علقة متعلقة بعينها فنزعها وقال: آذتك يا ضعيفة ؟ فأومت برأسها: أي نعم.
أبو عثمان المزاتي
ومنهم أبو عثمان المزاتي الدكمي -رحمه الله- ذو الإيثار والسخاء وكرامات الأولياء، المفزع إليه لاستجابة الدعاء، المقصود في الشدة والرخاء، سلك في النسك والزهد أنهج المسالك وتحرى جهده فيما يبعده عن المهالك، وأما العلم فليس هو هنالك، وأبو عثمان هذا ممن سكن بجبل نفوسة، وليس الجبل قديما له بدار لكنه نزله فاستقر خير استقرار، ووسعه ما وسعه في الإسار والإعسار، ولمصيره كأحدهم غلب على أسمه ما غلب على ذلك اللسان، فكان أسمه مشهورا باللغة النفوسية فإذا ذكروه قالوا( باثمان).
Page 101